آلاء الرحمن فى تفسير القرآن - البلاغي، الشيخ محمد جواد - الصفحة ٥٧ - العبادة
العبادة
لا يزال العوام و الخواص يستعملون لفظ العبادة على رسلهم و مجرى مرتكزاتهم على طرز واحد كما يفهمون ذلك المعنى بالتبادر و يعرفون بذوقهم مجازه و وجه التجوز فيه. و إن المحور الذي يدور عليه استعمالهم و تبادرهم هو ان العبادة ما يرونه مشعرا بالخضوع لمن يتخذه الخاضع إلها ليوفيه بذلك ما يراه له من حق الامتياز بالإلهية. او بعنوان انه رمز او مجسمة لمن يزعمونه إلها تعالى اللّه عما يشركون. و لكن الخطأ و الشرك. أو البهتان و الزور. أو الخبط في التفسير وقع هنا في مقامات ثلاثة (الأول) الإتيان بما تتحقق به حقيقة العبادة لما ليس أهلا لذلك بل هو مخلوق للّه كعبادة الأوثان مثلا (الثاني) مقام البهتان و الافتراء و خدمة الأغراض الفاسدة لترويج التحزبات الأثيمة فيقولون لمن يوفي النبي أو الإمام شيئا من الاحترام بعنوان انه عبد مخلوق للّه مقرّب عنده لأنه عبده و أطاعه و يرمونه بأنه عبد ذلك المحترم و أشرك باللّه في عبادته. ألا تدري لمن يبهتون بذلك يبهتون من يحترم النبي أو الإمام تقربا إلى اللّه لأنه اختاره و أكرمه بمقام الرسالة أو الإمامة التي هي بجعل اللّه و عهده كما وعد اللّه بذلك ابراهيم في قوله تعالى في سورة البقرةوَ إِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ و هذا الاحترام المعقول المشروع لا يقل عنه و لا يخرج من نوعه ما هو المعلوم و المشاهد من احترام هؤلاء المتحزبين لملوكهم و زعمائهم و حكامهم و خضوعهم لهم بالقول و العمل مهما بلغوا من النخوة الاعرابية. و لقد سرت هذه البادرة السوءى موروثة من ضلال الخوارج في تحزبهم إذ نسبوا الشرك و الكفر لأمير المؤمنين عليه السلام إذ ألجأوه عند رفع المصاحف إلى السكوت عن تحكيم رجلين يعملان بما يوجبه القرآن في شقاق معاوية في حربه. كما ألجأوه إلى كون الحكمين أبا موسى و ابن العاص. و كما نسبوا الشرك ثانيا الى ولده الحسن السبط عليه السلام لما نافق قومه و زعماء جنده و انحاز بعضهم الى معاوية و كاتبه آخرون و واعدوه تسليم الحسن له قبض اليد فخطب الحسن (ع) في معسكره المحشو بالنفاق مستشيرا و مقيما للحجة و مختبرا لهم لكي يعرف الناس نفاقهم فيكونوا على بصيرة من أمرهم في الحرب او الهدنة.
و هذه المباهتة الوخيمة و الدسيسة الوبيئة في التحزب الأثيم صارت في العصور المتأخرة وسيلة للتهاجم على ما حرم اللّه من دماء المسلمين و أموالهم و اعراضهم و على حرمات الرسول و الأئمة