آلاء الرحمن فى تفسير القرآن - البلاغي، الشيخ محمد جواد - الصفحة ٢٥٥ - سورة آلعمران(٣) الآيات ٥ الى ٧
ان تجيء الآية بلفظ عام او مطلق و المراد منها منحصر في نوع او فرد هو مورد النزول و تدل عليه قرائن الأحوال و دلائلها كقولك هذا و هؤلاء حينما توجه الاشارة بالقرينة الى معين مخصوص. و لا ريب في ان ما ذكرناه مما يقتحم التشابه بادئ بدء في امره و ما يؤول اليه تفسيره. و ذلك اما من جهة خفاء القرينة و لو بواسطة القصور في بعض الافهام. و اما من جهة المكابرة في أمرها بحسب الأغراض و إن كانت عقلية بديهية. او يدل عليها نفس القرآن الكريم او الحديث الصحيح او المستفيض او المتواتر. و لأجل ما ذكرناه من الحكمة صار الكتاب المجيد من حيث وجوه الدلالة في ألفاظه على المرادمِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ قد أحكمت باقتضاء الحكمة عباراتها في دلالتها على المراد بجريانها على النص و الصراحة مع التأييد لذلك بحكم العقل البديهي و اقتضاء السياق. فحفظت دلالتها بحسب اللغة و الاستعمال من خيال الاحتمال.
و خلجان التشابه عند المستقيمين في الشعور و المعرفة لموازين الكلام، و المبرئين من فلتات الجهل و غواية الأهواء و عبثها بالحقائق. و هذه الآيات المحكمات كل واحدة منهن بالنظر الى ذاتها هي ام واصل و مرجع لما توضحه باحكامها من بيان حقيقة او تأسيس أساس، او تشريع حكم، او إيضاح لمتشابه و تأييد لدلالته و لكن بالنظر الى مجموعها في القرآن المجيد، و كونها باعتبار احكامها مرجعا واحدا مبينا للمراد من حقائق الكتاب المجيدهُنَ بمجموعهن و النظر اليهأُمُّ الْكِتابِ و مرجعه الذي يتضح به المقصود من حقائق التنزيل و تتأيد به قرائن المتشابهات و يوضح دلالتها و يزيل عنها غبار الأوهاموَ منهأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ على ما أشرنا اليه من أساليب الكلام البليغ و وجوه محاسنه في المحاورة و ما تقتضيه الحكمةفَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ اي استحبوا العمى على الهدى و اختاروا الضلال بأهوائهم و حرفوا قلوبهم و أمالوها عن نهج الحق و الإذعان به و اشعروها الزيغ و الانحراف التعيسفَيَتَّبِعُونَ بأهوائهم و نزعات ضلالهم، و نزعات اضلالهمما تَشابَهَ بالنحو الذي أشرنا اليهمِنْهُ اي من الكتاب المجيد فيبدلون مراده و يغالطون في دلالة قرائنه، و يصرفونه عن موارد تنزيله تغاضيا عن واضحات قرائنه و بينات دلائلها و يتشبثون بالمتشابهابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَ ابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ اي طلبا لأن يجدوا سبيلا الى التلاعب