نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ٢٥٦ - ١٣٢ من يعمل مثقال ذرة خيرا يره
قال: فكاشفني، و قال للقوم: إنّكم إن لم تقتلوه، و إلاّ يخرج ينبّه عليكم السلطان، فيقتلكم كلّكم.
قال: فجذبني واحد منهم، و استلّ سيفه، و سحبني من صدر الدار التي كانوا فيها، [إلى البالوعة] [١] ليذبحني عليها.
فوقعت عيني على غلام منهم، كان على قدر سنّي، فقلت له: ارحمني، فأنت غلام مثلي، و إن خلّصتني من يد هؤلاء، أجرت بي، فاستدفع البلاء من اللّه تعالى، بخلاصي.
قال: و بكيت، و بقيت أحلف لهم، انّي لا أنبّه عليهم أبدا، و لا أتكلّم إن تركوني.
قال: فألهم اللّه عز و جل، ذلك الفتى، أن طرح نفسه عليّ، و قال:
و اللّه، لا يقتل و أنا حيّ، فإما قتلتموني قبله، و إلاّ فلا تقتلوه.
قال: و تعصّب له أستاذه، و قال: غلامي أجاره، فلا تقتلوه.
فشتموه، و شتموا غلامه، و تعصّب لهما جماعة، و جاءوا فأخذوني من البالوعة، و قد كاد الرجل يذبحني، فأجلسوني في صدر صفّة، و جلسوا حولي، و شتموا ذلك الغلام، و منعوا الباقين عنّي.
و قالوا: نحن جياع، فأتونا بشيء نأكله، و قتل هذا لا يفوت.
فقال الباقون: القول ما قالوا، فكفّوا عني.
و مضى، فاشترى خمسين رأسا، و خبزا كثيرا، وجبنا، و زيتونا [٢] ، و جاءهم به، فجلسوا يأكلون، و أنا أتخوّف أن يتغافلني منهم إنسان، فيقتلني.
[١] الزيادة من الفرج بعد الشدة ٢/٥٨.
[٢] هذه المواد التي اشتراها بثلاثين درهما، ثمنها الآن ببغداد ثلاثمائة درهم، راجع حاشية القصة ١/٦٦ حيث ذكر المؤلف أن ثمن عشرين خسة بدرهم، و ثمنها الآن كل خستين بدرهم، فتكون الزيادة في الحالين عشرة أضعاف.