نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ٢٣٤ - ١١٩ شيخ القراء أبو بكر بن مجاهد، يغنّي
قال: السمع و الطاعة، و نهض الفتى.
فلما كان من الغد، وافى إلى مسجد أبي بكر، فسألنا النهوض معه إلى منزله.
فقال أبو بكر لأصحابه: قوموا، و امضوا متقطّعين، و خالفوا الطرق، ففعلوا.
ثم أقبل على الفتى، فقال له: اسبقنا، فإنّي أنا و أبو بكر نجيئك.
فقلت أنا له: أيش عملت في إحضار ابن غريب؟ فقال لي: قد أخذت الوعد عليه من أمس، و أنا أنفذ إليه رسولا ثانيا، و مضى، و جلس أبو بكر، ففرغ من شغيلات له.
ثم إنّا نهضنا جميعا، و عبرنا إلى الجانب الغربي، و صعدنا درب النخلة، و كانت دار الفتى فيه، فوجدناه مترقّبا لنا.
فدخلنا، فدعا بماء، فغسلنا أيدينا، ثم أتى بجونة [١] ، فوضعها بين أيدينا.
فقلت في نفسي: ما أزرى مروءة هذا الفتى، أيش في الجونة، ممّا يطعمنا؟ ففتحها، فإذا فيها بزماورد [٢] ، و أوساط [٣] ، و لفّات [٤] ،
[١] الجونة: سلة صغيرة مغشاة بالأدم.
[٢] البزماورد: راجع حاشية القصة ٣/١٢٤ من النشوار.
[٣] الوسط: لون من الطعام الناشف، شديد الشبه بما يسمى اليوم الساندويج، و كيفية صنعه أن يبسط رغيف من الخبز، و تنثر عليه طبقة من لحم الدجاج، ثم تسطر عليها سطور من اللوز، و الجوز، و الزيتون، و الجبن، و النعنع، و الطرخون، ثم تفرش فوقها قطع مدورة من البيض المسلوق، و يغطى ذلك برغيف آخر من الخبز، انظر وصف الوسط لابن الرومي في مروج الذهب ٢/٥٩٠.
[٤] اللفات: مفردها لفة، لون من الطعام الناشف، كاللحم أو الجبن أو البيض، ملفوفا في رغيف من الخبز، يتناوله المتعجل، فهو أشبه شيء بالساندويج، و ما زالت الكلمة مستعملة في بغداد، و إن وردت مطلقة، دلت على لفة البيض خاصة، و البغدادي إذا قال: أكلت لفة، فيعني أنه أكل بيضا ملفوفا في رغيف، و لفة البيض يعنى بها البغداديون، و يكثرون من تناولها، و لها باعة يدورون ببضاعتهم في الأسواق و الطرق، تقتصر تجارتهم عليها، و هم يتأنقون في نظافة بضاعتهم، و في عرض الألوان التي يضيفونها إلى البيض عند صنع اللفة، و الأصل أن تشتمل اللفة على بيضة واحدة تقسم أرباعا و تسطر في باطن رغيف لين صغير يخبز خاصة من أجل اللفة، ثم تسطر مع البيض، سطور من الطماطم و المخللات و الكرفس و النعنع و البصل و الكراث و الفجل، و إذا أكلها المشتري و هو إلى جانب طبق البائع، صب له في طاسة صغيرة، شيئا من مرق طرشي الشلغم (كبيس اللفت) يسيغ به اللقم، و تسمى هذه اللفات (أبيض و بيض) .