نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ٢٧٩ - ١٣٩ و قد يجمع اللّه الشتيتين
فقالت: لا أدري ما تقولون، هو و اللّه معنا.
فقال الرجل للملاحين: ويلكم هل حملتم معنا إنسانا؟ فقالوا: لا.
فأشفقت أن ينقطع السؤال، فصحت: نعم، هو ذا أنا.
فقالت: كلام مولاي، و اللّه.
و جاء بي الغلمان إلى الرجل، فلما رآني، قال: ويحك، ما هذا الذي أصابك، و صيّرك في مثل هذا الحال؟ فصدقته عن أمري، و بكيت، و علا نحيب الجارية من خلف الستارة، و بكى هو و إخوته بكاء شديدا، رقّة لنا.
ثم قال: يا هذا، و اللّه، ما وطئت هذه الجارية، و لا سمعت غناءها إلا اليوم، و أنا رجل موسّع عليّ، و للّه الحمد، وردت بغداد لسماع الغناء، و طلب أرزاقي من الخليفة، و قد بلغت من الأمرين، ما أردت، و لما عملت على الرجوع إلى وطني، أحببت أن أستبيع من غناء بغداد شيئا، فاشتريت هذه الجارية، لأضمّها إلى عدة مغنيات عندي بالبصرة، و إذ كنتما على هذه الحال، فأنا-و اللّه-أغتنم المكرمة و الثواب فيكما، و أشهد اللّه، أنّي إذا صرت إلى البصرة، أعتقتها، و زوّجتك منها، و أجريت عليكما ما يكفيكما و يسعكما، على شريطة، إن أجبتني إليها.
قلت: ما هي؟ قال: أن تحضرنا كلما أردنا الغناء، خلف ستارتنا، و تنصرف بانصرافك إلى دار أفردها لكما، و قماش أعطيكما إياه.
فقلت: يا سيدي، و كيف أبخل بهذا على من هو المعطي لي، و على من ردّ عليّ حياتي؟و أخذت يده أقبلها، فمنعني، ثم أدخل رأسه إلى الجارية، فقال: يرضيك هذا؟فأخذت تدعو له و تشكره.