نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ١٤٩ - ٦٣ حلف بالطلاق لا يشيّع جنازة أبدا
فاستحييت، و حملت الأذى، و قلت: ثواب، و ما زلت أسير في الشمس، و الرمضاء، إلى الشونيزية [١] .
فلما حططنا الجنازة في مسجد الجنائز، هرب الحمال الآخر.
فقلت لنفسي: ما لهؤلاء الملاعين، و اللّه لأتمّمن الثواب، و أخرجت من كمّي دراهم، و صحت، يا حفّار، أين قبر هذه الجنازة؟ فقال: لا أدري.
فقلت: احفر، فأخذ مني درهمين، و حفر قبرا.
فلما صوّبت عليه الجنازة، ليأخذ الميت ليدفنه، وثب من اللحد، و لكمني، و جعل عمامتي في رقبتي، و صاح: يا قوم!قتيل.
و اجتمع الناس، و سألوه، فقال: هذا جاء برجل مقطوع الرأس لأدفنه له، فحلّ الكفن، فوجد الأمر على ما قاله الحفّار.
فبهتّ، و تحيّرت، و جرى عليّ من العامة، من المكروه، ما كادت نفسي تتلف، إلى أن حملت إلى صاحب الشرطة، فأخبر الخبر، فجرّدت للسياط، و أنا ساكت، باهت و كان له كاتب، فحين رأى حيرتي، قال له: أنظرني، حتى أكشف أمر هذا الرجل، فإنّي أحسبه مظلوما.
فخلا بي، و ساءلني، فأخبرته خبري، و لم أزد فيه، و لم أنقص.
فنحّى الميت عن الجنازة، و فتّشها، فوجد فيها كتابة، انها للمسجد الفلاني، للناحية الفلانية.
فأخذ معه رجّالة، و مضى، فدخل المسجد متنكّرا، فوجد فيه خيّاطا،
[١] الشونيزية: مقبرة ببغداد بالجانب الغربي، فيها قبر الجنيد البغدادي، و سري السقطي، و جعفر الخلدي (مراصد الاطلاع ٢/٨٢١) .