نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ١٣٠ - ٥٨ شقيقان عشيقان
فكان على هذا سنة، لا يجيء إليه أحد، و لا يخرج من عنده أحد، و لا أراه أنا، و لا غيري.
إلى أن جاء ليلة، في وقت المغرب، فدقّ بابي، فخرجت، فقلت ما لك؟ فقال: اعلم أنّ زوجتي قد ضربها الطلق، فأغثني بقابلة.
و كان في داري قابلة لأم أولادي، فحملتها إليه، فأقامت عنده ليلتها، فلما كان في الغد جاءتني، فذكرت أنّ امرأته ولدت في الليل بنتا، و انّها أصلحت أمورها، و أنّ النفساء في حالة التلف، و عادت إليها.
فلما كان في وقت الظهيرة، ماتت الجارية، فجاءت القابلة، فأخبرتنا.
فقال: اللّه اللّه أن تجيئني امرأة، أو يلطم أحد، أو يجيء أحد من الجيران فيعزّيني، أو يصير لي جمع.
ففعلت ذلك، و وجدته من البكاء و الشهيق على أمر عظيم.
فأحضرت له الجنازة بين العشاءين، و قد كنت أنفذت من حفر قبرا، في مقبرة قريبة منّا، فانصرف الحفّارون لما أمسوا، و قد كان واقفني على صرفهم، و قال: لا أريد أن يراني أحد، و أنا و أنت نحمل الجنازة، إن تفضّلت بذلك، و رغبت في الثواب، فاستحييت، و قلت له: أفعل.
فلما قربت العتمة، خرجت إليه، و قلت له: تخرج الجنازة؟ فقال: تتفضّل أوّلا، و تنقل هذه الصبيّة إلى دارك على شرط.
قلت: و ما هو؟ قال: إنّ نفسي لا تطيق الجلوس في هذه الدار بعد صاحبتي، و لا المقام في البلد، و معي مال عظيم و قماش، فتتفضّل بأخذه، و تأخذ الصبيّة، و تنفق عليها من ذلك المال، و من أثمان الأمتعة، إلى أن تكبر الصبيّة، فإن ماتت و قد بقي منه شيء، فهو لك بارك اللّه لك فيه، و إن عاشت فهو يكفيها إلى