نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ٢٥٥ - ١٣٢ من يعمل مثقال ذرة خيرا يره
فمشى قدّامي، و مشيت خلفه، و طال الطريق عليّ، و أنا أقول له:
ويحك أين بيتك؟فيقرّب عليّ المدى.
حتى بلغ آخر نصيبين، في درب خراب يقارب الصحراء، فدقّ بابا، فخرج رجل، ففتح الباب، فدخل، و دخلت.
فحين حصلت في الدهليز، ردم الباب [١] ، و استوثق منه، فأنكرت ذلك، و دخلت، فإذا أنا بثلاثين رجلا، بسلاح، بلا بارية و لا غيرها، و إذا هم لصوص، و هو عين [٢] لهم، فأيقنت بالبلية و الشرّ.
فقام إليّ واحد منهم، و قال: انزع ثيابك.
فطرحت ما كان عليّ، إلاّ السراويل، فجاءوا ليأخذونه، فسألتهم في ذلك، فتركوه.
و حلّوا منديل كمّي، و أخرجوا ثلاثين درهما، و قالوا لمقبل: امض، فخذ لنا شيئا نأكله.
فتقدّم مقبل، فسارّ أحدهم، و هو رئيسهم.
فقال له ذاك: إنّه لا بد من قتله، فجئنا بما نأكله، فإذا جئتنا به، قتلناه.
فعلمت أنّ مقبلا، أشار عليهم بقتلي، فطارت روحي جزعا.
و قال لهم الغلام: لا أمضي أو تقتلوه.
فقلت لهم: يا قوم، أيش ذنبي؟و لم أقتل؟قد أخذتم ما لي و ثيابي، دعوني أروح.
ثم قلت له: يا مقبل، هذا من حقّي عليك، و حقّ أبي، ويحك، أ لا ترحمني؟
[١] في الفرج بعد الشدة: أغلق الباب بسرعة.
[٢] العين: الجاسوس، و عين اللصوص: الذي يرشدهم إلى مواطن السرقات، و يسهل لهم ارتكابها، و العامة ببغداد يسمونه: وتي، و لعلها من المواتاة أي المطاوعة و الموافقة.