نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ٢٥٧ - ١٣٢ من يعمل مثقال ذرة خيرا يره
فقلت لذلك الفتى، فترك الأكل، و جلس هو و أستاذه يحفظاني، إلى أن أكلت الجماعة، و وكّلا بي قوما من أصحابهم ممّن أكل، و جلسا يأكلان.
و استدعياني للأكل معهما، فأردت إيجاب الذمام عليهما، فأكلت معهما أكل معرض، لقمة واحدة، أو لقمتين، بلا شهوة و لا عقل.
فقال لهم: الآن أكلتم، و ترك هذا خطأ، فاقتلوه.
فعاد الكلام في قتلي، و أقبل أولئك يمنعون، و تزايد الأمر إلى أن جرّد بعضهم السيوف على بعض، و جعلني أولئك وراءهم، و أقبلوا يجادلون عني، و أولئك ينخسوني من خلفهم بأطراف السيوف، و أنا أروغ خوفا من أن يصل إليّ بعض ذلك، فيقتلني، و أنا أحلف لهم أنّي إن سلمت لم أنبّه عليهم، إلى أن كادوا يتجارحون.
و دخل بعضهم بينهم، و قالوا: لا يكون هذا ميشوما عليكم، فدعوه.
فتوافقوا على الكفّ عني، و جلسوا يشربون، فلما أرادوا أن يخرجوا، قالوا: يتوكّل به من يتعصّب له، حتى نخرج نحن، فإن صاح، بلي به من خلّصه.
فقال لي الفتى و أستاذه: قد سمعت يا فتى، فلا تكافنا على الجميل بقبيح.
فحلفت لهم باللّه، أنّي لا أنبه عليهم، فخرجت الجماعة، إلاّ الغلام و أستاده، فلما بعدت الجماعة، خرج النفسان [١] .
[١] في الفرج بعد الشدة ٢/٥٩: بقي الغلام و استاذه، فقالا لي: يا فتى، قد علمت أنا خلصنا دمك، فلا تكافنا بقبيح، و هو ذا نخرج، و لا نحسن أن نكتفك، فاحذر أن تصيح، فأخذت أقبل أياديهما و أرجلهما، و أقول: أنتما أحييتماني، فكيف أكافئكما بالقبيح؟فقالا: قم معنا، فقمت، ففتشا الدار، حتى علما أنه لم يختف فيها من يريد قتلي، ثم قالا: قد أمنت، فإذا خرجنا، فاستوثق من الباب، و نم وراءه، فلا يكون إلا خيرا، ثم خرجا، فاستوثقت من غلق الباب.