نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ٢٨٠ - ١٣٩ و قد يجمع اللّه الشتيتين
فاستدعى غلاما، فقال: خذ بيد هذا الرجل، و غيّر ثيابه، و بخّره، و قدّم إليه ما يأكله، و جئنا به.
فأخذني الغلام، ففعل بي ذلك، و عدت، و تركت بين يدي صينيّة، و اندفعت الجارية تغني بنشاط و سرور و انبساط، و استدعت النبيذ، فشربت و شربنا، و أخذت أقترح عليها الأصوات الجياد، فتضاعف سرور الرجل.
و ما زلنا على ذلك، أيّاما، إلى أن بلغنا نهر معقل، و نحن سكارى، فشدّ الزلال في الشط، و أخذتني بولة، فصعدت إلى ضفة نهر معقل لأبول، فحملني السكر على النوم فيها، و دفع الزلال، و أنا لا أعلم، و أصبحوا فلم يجدوني، و دخلوا البصرة، و لم أنتبه إلا بحر الشمس، فجئت إلى الشط، فلم أر لهم عينا و لا أثرا.
و قد كنت أجللت الرجل أن أسأله بمن يعرف، و أين داره في البصرة، و احتشمت أن أسأل غلمانه عن ذلك، فبقيت على شاطئ نهر معقل، كأوّل يوم بدأت بي المحنة، و كأنّ ما كنت فيه منام.
و اجتازت بي سميريّة، فركبت فيها، و دخلت البصرة، و ما كنت دخلتها قط، فنزلت خانا، و بقيت متحيّرا، لا أدري ما أعمل، و لم يتوجّه لي معاش.
إلى أن اجتاز بي يوما إنسان عرفته من بغداد، فتبعته لأكشف له حالي، و أستميحه، فأنفت من ذلك، و دخل الرجل إلى منزله، فعرفته، و جئت إلى بقّال كان هناك، على باب الخان الذي نزلته، فأعطيته دانقا، و أخذت منه ورقة دواة، و جلست أكتب رقعة إلى الرجل.
فاستحسن البقّال خطّي، و رأى رثاثة حالي، فسألني عن أمري، فأخبرته انني رجل ممتحن فقير، و قد تعذّر علي التصرّف، و ما بقي معي شيء، و لم أشرح له أكثر من ذلك. ـ