نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ١٣١ - ٥٨ شقيقان عشيقان
أن تبلغ مبلغ النساء، فحينئذ تدبّر أمرها بما ترى، و أنا أمضي بعد الدفن، فأخرج من البلدة.
فوعظته، و ثبّته، فلم يكن إلى ذلك سبيل.
فنقلت الصبيّة إلى بيتي، و حمل الجنازة و أنا معه أساعده.
فلما صرنا على شفير القبر، قال لي: تتفضّل و تبتعد، فإني أريد أن أودّعها فأكشف وجهها، فأراه، ثم أدفنها.
ففعلت، فحلّ وجهها، و أكبّ عليها يقبّلها، ثم شدّ كفنها، و أنزلها القبر.
ثم سمعت صيحة من القبر، ففزعت، فجئت، فاطلعت، فإذا هو قد أخرج سيفا كان معلّقا تحت ثيابه، مجرّدا، و أنا لا أعلم، فاتّكأ عليه، فدخل في فؤاده، و خرج من ظهره، و صاح تلك الصيحة، و مات، كأنّه ميت من ألف سنة.
فعجبت من ذلك عجبا شديدا، و خفت أن يدرك، فيصير قصّة، فأضجعته فوقها في اللحد، و غيّبت عليهما اللّبن، و هلت التراب، و أحكمت أمر القبر، و صببت عليه جرار ماء كانت لنا في المكان.
و عدت، فنقلت كل ما كان في الدار، إلى داري، و عزلته في بيت، و ختمته، و قلت: هذا أمر لا بدّ أن تظهر له عاقبة، و ما ينبغي أن أمسّ من هذا المال و المتاع شيئا، و كان جليلا، يساوي ألوف دنانير، و أحتسب النفقة على هذه الطفلة، و أعدّها ملقوطة من الطريق، ربّيتها للثواب.
ففعلت ذلك، فمضى على موت الغلام و الجارية، نحو سنة.
فإني لجالس على بابي يوما، إذ اجتاز شيخ عليه أثر النبل و اليسار، و تحته بغلة فارهة، و بين يديه، غلام أسود، فسلّم، و وقف.
و قال: ما اسم هذا الدرب؟