نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ٧٤ - ٣٣ الوزير أبو علي بن مقلة
فلما أحرقت، أقبل على من كان حاضرا، و قال: و اللّه لو فتحتها، و قرأت ما فيها، لفسدت نيات الناس كلّهم علينا، و استشعروا الخوف منا، و مع فعلنا ما فعلناه، طوينا الأمور بهذا، فهدأت القلوب، و اطمأنت النفوس [١] .
ثم قال لي: قد آمن اللّه، و الخليفة-أعزّه اللّه-كلّ من بايع ابن المعتز، فاكتب الأمانات للناس جميعا، و جئني بها لأوقّع فيها، و لا تردّ أحدا عن أمان يطلبه، فقد أفردتك لذلك، لأنّه باب مكسب كبير.
و قال لمن حضر: أشيعوا قولي، و تحدّثوا به بين الخاص و العام، ليأنس المستوحش، و يأمن المستتر.
قال أبو علي: فحصل لي من كتب الأمانات، مائة ألف دينار، أو نحوها.
الوزراء للصابي ١٣٥
[١] درج الوزير أبو الحسن، في تصرفه هذا، على طريقة أخيه أبي العباس أحمد بن الفرات، و قد كان الأخوان من رجال الديوان في أيام الوزير عبيد اللّه بن سليمان، وزير المعتضد، و قد سلم الوزير إلى أبي العباس، إضبارة ضخمة، و قال له: يا أبا العباس، هذه الإضبارة، وقائع، و سعايات، بك و بأخيك، من أسبابكما، و ثقاتكما، و صنائعكما، خبأتها لك، لتعرف بها من ينبغي أن تحترس منه، و تعامل كل واحد بما يستحقه، فأكثر أبو العباس من شكره، و الدعاء له، و بدأ أبو الحسن، يقرأ شيئا من الإضبارة، فانتهره أبو العباس، و قال: لا تقرأ شيئا منها، و أخذها فطرحها في النار، و قال: ما كنت لأقابل نعمة اللّه، على ما وهبه لي من تفضل الوزير، بما يوجب الإساءة إلى أحد، و لا حاجة بي إلى قراءة ما يوحشني من أسبابي، و يجر عليهم إساءة مني، فقال الوزير عبيد اللّه بن سليمان:
أردت التفرد بمكرمة، فسبقني أبو العباس إليها (الوزراء للصابي ٨٣) ، و كذلك صنع الوزير نظام الملك وزير السلطان ملكشاه السلجوقي، فإن ملكشاه لما تقلد السلطنة، انتقض عليه أحد أعمامه، و حاربه، فانهزم العم، و جيء به أسيرا، فأنفذ إليه خريطة مملوءة بكتب من أمراء السلطان و قال: هؤلاء حملوني على الخروج عن الطاعة، و حسنوا لي ذلك، فدعا السلطان وزيره نظام الملك، و أعطاه الخريطة، ليقرأ ما فيها، فألقى الوزير الخريطة في كانون نار، فاحترقت الكتب، من دون أن يطلع عليها، فسكنت قلوب العسكر، و أمنوا ( وفيات الأعيان ٤/٣٧٠) .