نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ٩٩ - ٤٥ عاشق ينتحر بمحضر من الخليفة عبد الملك بن مروان
فاستشاط من ذلك غضبا، و قال: يا رباح، عليّ بصاحب هذه القصة.
فخرج الناس جميعا، فأدخل عليه غلام كما عذّر، كأهيأ الفتيان و أحسنهم.
فقال له عبد الملك: يا غلام، أ هذه قصّتك؟ فقال: نعم، يا أمير المؤمنين.
قال: و ما الذي غرّك مني، و اللّه لأمثلنّ بك، و لأردعنّ بك نظراءك من أهل الجسارة، عليّ بالجارية، فجيء بجارية كأنّها فلقة قمر، و بيدها عود، فطرح لها كرسي، و جلست.
فقال عبد الملك: مرها يا غلام.
فقال لها: غنّيني يا جارية بشعر قيس بن ذريح:
لقد كنت حسب النفس لو دام ودّنا # و لكنّما الدنيا متاع غرور
و كنّا جميعا قبل أن يظهر الهوى # بأنعم حالي غبطة و سرور
فما برح الواشون حتى بدت لنا # بطون الهوى مقلوبة لظهور
قال: فخرج الغلام من جميع ما كان عليه من الثياب تخريقا.
ثم قال له عبد الملك: مرها، تغنّيك الصوت الثاني.
فقال: غنّيني بشعر جميل:
ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة # بوادي القرى إنّي إذن لسعيد
إذا قلت: ما بي يا بثينة قاتلي # من الحب، قالت: ثابت و يزيد
و إن قلت: ردّي بعض عقلي أعش به # مع الناس قالت: ذاك منك بعيد
فلا أنا مردود بما جئت طالبا # و لا حبّها فيما يبيد يبيد
يموت الهوى منّي إذا ما لقيتها # و يحيا إذا فارقتها فيعود
فغنّته الجارية، فسقط الغلام مغشيا عليه ساعة، ثم أفاق.