نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ٢٥٨ - ١٣٢ من يعمل مثقال ذرة خيرا يره
فما كان لي همّة، إلاّ غلق الباب وراءهما، و ترسه، و وقعت مغشيا عليّ، و ذهب عقلي عني إلى قريب من نصف الليل، فأفقت و قد لحقني البرد، فلم أزل أرتعد فزعا و بردا، إلى وجه السحر، و سمعت صوت الدبادب [١] ، فخرجت عريانا، حتى أتيت إلى بيتي.
و آليت على نفسي، أن لا أمضي إلى موضع لا أخبره، و لا مع من لا أعرف باطنه، و حمدت اللّه على العافية [٢] .
تحفة المجالس و نزهة المجالس ٢٤٤
[١] الدبادب: طبول صغار، تسمى الآن ببغداد: الدنبركه، و كانت تضرب على أبواب الأمراء في أوقات الصلاة.
[٢] في الفرج بعد الشدة ٢/٥٩ إضافة لما تقدم: و ما حدثت أحدا بهذا الحديث مدة، لبقية الفزع، ثم بعد انقضاء سنة، أو قريب منها، كنت يوما عند صاحب الشرطة بنصيبين، لصداقة كانت بينه و بين أبي، فلم ألبث، أن حضر من عرفه عن عثور الطوف على جماعة من اللصوص، في قرية سماها من قرى نصيبين، و قبضه على سبعة نفر منهم، و فوت الباقين، فأمر بإحضارهم، فوقع بصري منهم على ذلك الغلام الذي أجارني ذلك اليوم، و على أستاذه، ثم مقبل، فأخذتني رعدة تبينت في، و أخذ مقبل من بينهم مثل ما أخذني، فقال لي صاحب الشرطة: ما لك؟فقلت له: إن حديثي طويل، و لعل اللّه أراد بحضوري هذا المجلس، سعادة نفر، و شقاوة نفر، فقال: هات، فقصصت عليه قصتي مع القوم إلى آخرها، فتعجب، و قال: هلا شرحتها لي من قبل، حتى كنت أطلبهم، و انتصف لك منهم؟فقلت: إن الفزع الذي كان في قلبي منهم، لم يبسط لساني به، فقال: من ذا الذي كان معك من هؤلاء؟قلت: الغلام، و أستاذه، و واحد من الباقين، فأمر بحل كتافهم، و تمييزهم من بين أصحابهم، و دعا مقبلا، فقال: ما حملك على ما فعلت بابن أستاذك؟ فقال: سوء الأصل، و خبث العرق، فقال: لا جرم، تقابل بفعلك، و أمر به فضرب عنقه، و أصحابه الباقين، و دعا بالغلام و أستاذه، و صاحبهما، و قال لهما: لقد أحسنتما في دفعكما عن هذا الفتى، و اللّه يجزيكما عن فعلكما الخير، فتوبا إلى اللّه من فعلكما، و انصرفا في صحبة اللّه، مع صاحبكما، و لا تعودا إلى ما كنتما عليه من التلصص، فقد مننت عليكما، لحسن صنيعكما مع هذا الفتى، فإن ظهرت عليكما ثانيا، الحقتكم بأصحابكم، فشكروه، و دعوا له، و انصرفوا، و شكرته على ما فعل، و حمدت اللّه على توفيقي لقضاء حق من أجارني، و الانتقام ممن ظلمني، ثم صار ذلك الغلام و استاذه من أصدقائي، و كانا يختلفان إلي.