البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ٤٦ - منافع العصا و مرافقها
و سئل عن قوله: (و لي فيها مآرب أخرى) ، قال: لست أحيط بجميع مآرب موسى صلّى اللّه عليه و سلّم، و لكني سأنبئكم جملا تدخل في باب الحاجة إلى العصا. من ذلك أنها تحمل للحية، و العقرب، و للذئب، و للفحل الهائج، و لعير العانة في زمن هيج الفحول، و كذا فحول الحجور [١] في المروج. و يتوكأ عليها الكبير الدالف، و السقيم المدنف، و الأقطع الرجل، و الأعرج، فإنها تقوم مقام رجل أخرى.
و قال أعرابي مقطوع الرجل:
اللّه يعلم أني من رجالهم # و إن تخدّد عن متنيّ أطماري [٢]
و إن رزيت يدا كانت تجمّلني # و إن مشيت على زج و مسمار
و العصي تنوب للأعمى عن قائده، و هي للقصّار و الفاشكار و الدبّاغ.
و منها المفأد للملّة [٣] و المحراك للتنّور. قال الشاعر:
إذا كان ضرب الخبز مسحا بخرقة # و أحمد دون الطارق التنّور
كأنه كره أن ينفض عنها الرماد بعصا فيستدل على أنه قد أنضج خبزته.
يصفه بالبخل.
و هي لدق الجص و الجبسين و السمسم.
و قال الشمّاخ بن ضرار:
و أشعث قد قد السّفار قميصه # يجر شواء بالعصا غير منضج
و لخبط الشجر، و للفيج [٤] و للمكاري، فإنهما يتخذان المخاصر، فإذا طال الشوط و بعدت الغاية استعانا في حضرهما و هرولتهما في اضعاف ذلك بالاعتماد على وجه الأرض.
[١] الحجور: الافراس.
[٢] تخدد: تشنج.
[٣] المفأد: الخشبة التي يحرك بها التنور. الملة: الرماد الحار و الجمر.
[٤] الفيج: الذي يسعى على رجليه يحمل الاخبار من بلد إلى بلد.