البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ١٩٧ - أصل العرب و لغتهم
الموانع، و وفر عليهم الذكاء، و جلب اليهم جياد الخواطر، و صرف أوهامهم إلى التعرف، و حبب إليهم التبين، وقعت المعرفة و تمت النعمة.
و الموانع قد تكون من قبل الأخلاط الأربعة على قدر القلة و الكثرة، و الكثافة و الرقة. و من ذلك ما يكون من جهة سوء العادة، و إهمال النفس، فعند ما يستوحش من الفكرة، و يستثقل النظر. و من ذلك ما يكون من الشواغل العارضة، و القوى المتقسمة. و من ذلك ما يكون من خرق المعلم، و قلة رفق المؤدب، و سوء صبر المثقف. فإذا صفى اللّه ذهنه و نقحه، و هذبه و ثقفه، و فرغ باله، و كفاه انتظار الخواطر، و كان هو المفيد له و القائم عليه، و المريد لهدايته، لم يلبث أن يعلم.
و هذا صحيح في الأوهام، غير مدفوع في العقول.
و قد جعل اللّه الخال أبا. و قالوا: «الناس بأزمانهم أشبه منهم بآبائهم» .
و قد رأينا اختلاف صور الحيوان، على قدر اختلاف طبائع الأماكن.
و على قدر ذلك شاهدنا اللغات و الأخلاق و الشهوات. و لذلك قالوا: «فلان ابن بجدتها» ، و «فلان بيضة البلد» ، يقع ذما و يقع حمدا.
و قال زياد: «و اللّه للكوفة أشبه بالبصرة من بكر بن وائل بتميم» » .
و يقولون: «ما أشبه الليلة بالبارحة» ، كأنهم قالوا: ما أشبه زمان يوسف ابن عمر بزمان الحجاج.
و قال سهل بن عمرو: «أشبه امرأ بعض بزه [١] » .
و قال الأضبط بن قريع: «بكل واد بنو سعد» .
و لو لا أن اللّه عز و جل أفرد إسماعيل من العجم، و أخرجه بجميع معانيه إلى العرب، لكان بنو اسحاق أولى به. و إنما ذلك كرجل قد أحاط علمه بأن
[١] البز: الثياب.