البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ٣٩ - منافع العصا و مرافقها
أمي بخير و لا شر، و لك حذفة بالعصا عند غضبك أصبت أم أخطأت، و لي مقعدي من النار، و موضع يدي من الحار و القار» .
و كان العتبي يحدث في هذين بحديثين: أحدهما قوله عن الأعرابي: «و كان إذا خرست الألسن عن الرأي حذف بالصواب كما تحذف الأرنب بالعصا» .
و أما الحديث الآخر فذكر أن قوما أضلوا الطريق، فاستأجروا أعرابيا يدلهم على الطريق، فقال: إني و اللّه لا أخرج معكم حتى أشرط لكم و اشترط عليكم. قالوا فهات مالك. قال «يدي مع أيديكم في الحار و القار، و لي موضعي من النار موسع علي فيها، و ذكر والدي عليكم محرم» . قالوا: فهذا لك فما لنا عليك إن أذنبت؟قال: «أ عراضة لا تؤدي إلى عتب، و هجرة لا تمنع من مجامعة السفرة» . قالوا: فإن لم تعتب؟قال: «فحذفة بالعصا أخطأت أم أصابت» .
و هذان الحديثان لم أسمعهما من عالم، و إنما قرأتهما في بعض الكتب من كتب المسجديين.
و لأهل المدينة عصيّ في رءوسها عجر لا تكاد أكفهم تفارقها إذا خرجوا إلى ضياعهم و متنزهاتهم، و لهم فيها أحاديث حسنة، و أخبار طيبة.
و كان الأفشين يقول: «إذا ظفرت بالعرب شدخت رءوس عظمائهم بالدبوس» و الدبوس شبيه بهذه العصا التي في رأسها عجرة و قال جحشويه:
يا رجلا هام بلباد # معتدل كالغصن مياد
هام به غسان لما رأى # أيرا له مثل عصا الحادي
و لم يزل يهوى ابو مالك # كل فتى كالغصن منآد
يعجبه كل متين القوى # للطعن في الأدبار معتاد
و قالوا في تغميض الناقة عينها، كي تركب العصا إلى الحوض، و هو في معنى قول ابي النجم: