البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ٥١ - منافع العصا و مرافقها
و بالجياد تجرّ الجيل عابسة # كأن مذرور ملح في هواديها [١]
قوم إذا قذع الأقوال طاف بهم # ألقى العصي عصي الجهل باريها
قال و الرجل إذا لم يكن معه عصا فهو باهل. و ناقة باهل و باهلة، إذا كانت بغير صرار [٢] . و قال الراجز:
أبهلها ذائدها و سبحا [٣] # و دقت المركوّ حتى ابلندحا [٤]
احتجنا إلى أن نذكر ارتفاق بعض الشعراء من العرجان بالعصي، عند ذكرنا العصا و تصرفها في المنافع. و الذي نحن ذاكروه من ذلك في هذا الموضع قليل من كثير ما ذكرناه في كتاب العرجان. فإذا أردتموه فهو هناك موجود إن شاء اللّه.
قالوا: و لما شاع هجاء الحكم بن عبدل الأسدي لمحمد بن حسان بن سعد و غيره من الولاة و الوجوه، هابه أهل الكوفة، و اتقى لسانه الكبير و الصغير، و كان الحكم اعرج لا تفارقه عصاه، فترك الوقوف بأبوابهم و صار يكتب على عصاه حاجته و يبعث بها مع رسوله فلا يحبس له رسول، و لا يؤخر عنه لقراءة الكتاب، ثم تأتيه الحاجة على أكثر مما قدّر، و أوفر مما أمّل، فقال يحيي بن نوفل:
عصا حكم في الدار أول داخل # و نحن عن الأبواب نقصى و نحجب
و أما قول بشر بن أبي خازم:
للّه درّ بني الحدّاء من نفر # و كلّ جار على جيرانه كلب
إذا غدوا و عصيّ الطّلح أرجلهم # كما تنصّب وسط البيعة الصّلب
[١] الهوادي: الاعناق.
[٢] الصرار: خيط يشد فوق خلفها لئلا يرضعها ولدها.
[٣] السبح: الفراغ الطويل.
[٤] المركو: الحوض الكبير. ابلندح: اتسع و عرض.