البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ٣٥ - منافع العصا و مرافقها
فلا غرث ما كان في الناس كربج # و ما بقيت في رجل حيدان أصبع
و هذا الشعر و شعر غنية من الظرف الناصع الذي سمعت به، و ظرف الأعراب لا يقوم له شيء.
و ناس كثير لا يستعملون في قتالهم إلا العصيّ، منهم الزنج: قنبلة و لنجويه و النمل و الكلاب، و تكفو و تنبو. على ذلك يعتمدون في حروبهم.
و منهم النبط، و لهم بها ثقافة و شدة و غلبة، و اثقف ما تكون الأكراد إذا قاتلت بالعصي. و قتال المخارجات [١] كلها بالعصي، و لهم هناك ثقافه و منظر حسن، و لقتالهم منزلة بين السلامة و العطب.
و الناس يضربون المثل بقتال البقّار بقناته. و يقال في المثل: «ما هو إلا ابنة عصا، و عقدة رشا [٢] » .
و يقال للراعي: «إنه لضعيف العصا» إذا كان قليل الضرب بها للإبل، شديد الإشفاق عليها. و قال الراعي
ضعيف العصا بادي العروق ترى له # عليها إذا ما أجدب الناس أصبعا
فإذا كان الراعي جلدا قويا عليها قالوا: صلب العصا. و لذلك قال الراجز:
صلب العصا باق على أذاتها
و قال الآخر في معنى الراعي:
لا تضرباها و أشهرا العصيا
و يقولون: قد أقبل فلان و لانت عصاه، إذا أصابه السّواف [٣] فرجع و ليس معه إلا عصاه لأنه لا يفارقها كانت له ابل أم لم تكن.
[١] المخارجات: مفردها مخارجة: مناهضه
[٢] أبنة: عقدة. الرشاء: الحبل.
[٣] السواف: الموت في المال و الناس.