البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ٢٦٧ - قدر الشعر
و أنسب من كل ناسب، و أقوف من كل قائف. و كانت آلته أوفر و أداته أكمل، إلا أنها كانت مصروفة إلى ما هو أرد.
و بين أن نضيف إليه العجز، و بين أن نضيف إليه العادة الحسنة و امتناع الشيء عليه من طول الهجران له، فرق.
و من العجب أن صاحب هذه المقالة لم يره عليه السلام في حال معجزة قط، بل لم يره إلا و هو إن أطال الكلام قصّر عنه كل مطيل، و إن قصر القول أتى على غاية كل خطيب، و ما عدم منه إلا الخط و إقامة الشعر. فكيف ذهب ذلك المذهب و الظاهر من أمره عليه السلام خلاف ما توهم!؟
[قدر الشعر]
و سنذكر بعض ما جاء في فضل الشعر و الخوف منه، و من اللسان البليغ، و المداراة له، و ما أشبه ذلك.
قال أبو عبيدة: اجتمع ثلاثة من بني سعد يراجزون بني جعدة، فقيل لشيخ من بني سعد: ما عندك؟قال: أرجز بهم يوما إلى الليل لا أفثج [١] .
و قيل لآخر: ما عندك؟قال: أرجز بهم يوما إلى الليل لا أنكف. فقيل للآخر الثالث: ما عندك؟قال: أرجز بهم يوما إلى الليل لا أنكش [٢] . فلما سمعت بنو جعدة كلامهم انصرفوا و خلوهم.
قال: و بنو ضرار، أحد بني ثعلبة بن سعد، لما مات أبوهم و ترك الثلاثة الشعراء صبيانا، و هم: شمّاخ، و مزرّد، و جزء، أرادت أمهم-و هي أم أوس- أن تزوج رجلا يسمى أوسا، و كان أوس هذا شاعرا، فلما رآه بنو ضرار بفناء أمهم للخطبة، تناول شمّاخ حبل الدلو ثم متح، و هو يقول:
أمّ أويس نكحت أويسا
[١] أفثج: أعيا، انبهر.
[٢] انكش: نزف.