البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ٣٠٦
من الكبر مع السخاء و الأدب. فأعظم بحسنة عفّت على سيئتين [١] ، و أفظع بعيب أفسد من صاحبه حسنتين.
و قيل لرجل-أراه خالد بن صفوان-: مات صديق لك!فقال: رحمة اللّه عليه، لقد كان يملأ العين جمالا، و الأذن بيانا، و لقد كان يرجى و لا يخشى، و يغشى و لا يغشى، و يعطي و لا يعطى، قليلا لدى الشر حضوره، سليما للصديق ضميره.
و قام أعرابي ليسأل فقال: أين الوجوه الصّباح، و العقول الصّحاح، و الألسن الفصاح، و الأنساب الصّراح [٢] ، و المكارم الرّباح [٣] ، و الصدور الفساح، تعيذني من مقامي هذا؟! و مدح بعضهم رجلا فقال: ما كان أفسح صدره، و أبعد ذكره، و أعظم قدره، و أنفد أمره، و أعلى شرفه، و أربح صفقة من عرفه، مع سعة الفناء، و عظم الإناء، و كرم الآباء.
و قال علي بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه لصعصعة بن صوحان: و اللّه ما علمت إنك لكثير المعونة، قليل المئونة، فجزاك اللّه خيرا. فقال صعصعة: و أنت فجزاك اللّه أحسن ذلك، فإنك ما علمت باللّه عليم، و اللّه في عينك عظيم.
قال أبو الحسن: أوصى عبد الملك بن صالح ابنا له فقال: أي بنيّ أحلم فإن من حلم ساد، و من تفهّم ازداد، و الق أهل الخير، فإن لقاءهم عمارة للقلوب، و لا تجمح بك مطية اللجاج، و منك من أعتبك، و الصاحب مناسب، و الصبر على المكروه يعصم القلب. المزاح يورث الضغائن، و حسن التدبير مع الكفاف خير من الكثير مع الإسراف، و الاقتصاد يثمر القليل، و الإسراف يثبّر
[١] عفت على سيئتين: ذهبت بهما، اذهبتهما.
[٢] الصراح: المحض، الخالص.
[٣] الرباح: ما فيه ربح.