البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ١٦٠ - باب أخلاط من شعر و نوادر و أحاديث
و من شكل هذا الشعر قول الحسين بن مطير الأسدي:
ألما على معن و قولا لقبره # سقتك الغوادي مربعا ثم مربعا
فيا قبر معن كنت أول حفرة # من الأرض خطّت للسماح و موضعا
و يا قبر معن كيف واريت جوده # و قد كان منه البر و البحر مترعا
بلى قد وسعت الجود و الجود ميت # و لو كان حيا ضقت حتى تصدعا
فلما مضى معن مضى الجود و الندى # و أصبح عرنين المكارم أجدعا [١]
فتى عيش في معروفه بعد موته # كما كان بعد السيل مجراه مرتعا
تعزّ أبا العباس عنه و لا يكن # جزاؤك من معن بأن تتضعضعا
فما مات من كنت ابنه لا و لا الذي # له مثل ما أسدى أبوك و ما سعى
تمنى أناس شأوه من ضلالهم # فأضحوا على الأذقان صرعى و ظلّعا [٢]
و هذا مثل قول مسلم بن الوليد، في يزيد بن مزيد:
قبر ببرذعة استسر ضريحه # خطرا تقاصر دونه الأخطار
أبقى الزمان على معد بعده # حزنا كعمر الدهر ليس يعار
نقضت به الآمال أحلاس الغنى # و استرجعت نزّاعها الأمصار [٣]
فاذهب كما ذهبت غوادي مزنة # أثنى عليها السهل و الأوعار
قيل: إذا رسخ الرجل في العلم رفعت عنه الرؤيا الصالحة.
مسلمة، قال: كان عند عمر بن عبد العزيز رجلان، فجعلا يلحنان، فقال الحاجب: قوما فقد «أوذيتما» أمير المؤمنين!قال عمر: أنت آذى لي منهما.
المدائني قال: قعد قدّام زياد رجل ضائعي-من قرية باليمن يقال لها «ضياع» -و زياد يبني داره، فقال له: أيها الأمير، لو كنت عملت باب
[١] العرنين: ما ارتفع من أرنبة الانف. الأجدع: القطوع.
[٢] الشأو: المدى و الغاية. ظلع: من به عرج أو شبهه.
[٣] احلاس: كساء يوضع على البعير تحت الرحل.