البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ٣٤ - منافع العصا و مرافقها
أنف البختي، و إذا فرّق المهار جاءت منه تواد [١] . و السواجير تكون للكلاب و الأسرى من الناس. و قال النبي صلّى اللّه عليه و سلّم: «يؤتى بناس من هاهنا يقادون إلى حظوظهم بالسواجير» . و إذا كانت قناة فكل شقّة منها قوس بندق، فإن فرقت الشقة صارت سهاما، فإن فرقت السهام صارت حظاء، و هي سهام صغار. قال الطرماح:
أكلب كحظاء الغلام.
و الواحدة حظوة و سروة، فإن فرقت الحظاء صارت مغازل، فإن فرّق المغزل شعب به الشعّاب أقداحه المصدوعة، و قصاعه المشقوقة. على أنه لا يجد لها أصلح منها. و قال الشاعر:
نوافذ أطراف القنا قد شككنه # كشكّك بالشّعب الإناء المثلّما
فإذا كانت العصا صحيحة ففيها من المنافع الكبار و المرافق الأوساط و الصغار ما لا يحصيه أحد، و إن فرّقت ففيها مثل الذي ذكرنا و أكثر. فأيّ شيء يبلغ في المرفق و الرد مبلغ العصا.
و في قول موسى: وَ لِيَ فِيهََا مَآرِبُ أُخْرىََ دليل على كثرة المرافق فيها، لأنه لم يقل: و لي فيها مأربة أخرى، و المآرب كثيرة. فالذي ذكرنا قبل هذا داخل في تلك المآرب.
و لا نعرف شعرا يشبه معنى شعر غنية بعينه لا يغادر منه شيئا. و لكن زعم بعض أصحابنا أن أعرابيين ظريفين من شياطين الأعراب حطمتهما السنة، فانحدرا إلى العراق، و اسم أحدهما حيدان، فبيناهما يتماشيان في السوق إذا فارس قد أوطأ دابته رجل حيدان فقطع أصبعا من أصابعه، فتعلقا به حتى أخذا منه أرش الأصبع [٢] ، و كانا جائعين مقرورين، فحين صار المال في أيديهما قصدا لبعض الكرابج [٣] فابتاعا من الطعام ما اشتهيا، فلما أكل صاحب حيدان و شبع أنشأ يقول:
[١] التوادي: خشبات تصر بها أخلاف الناقة.
[٢] الارش: دية الجراح.
[٣] الكرابج: بمعنى الحانوت. فارسية.