البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ٣٢ - منافع العصا و مرافقها
و اسلامه إليها، و الهرب منها، فضربها بالعصا فثقلت، فلما بهشت له [١]
و رفعت صدرها ضربها حتى وقذها [٢] ، ثم ضربها حتى قتلها، فقلت: هذه ثالثة، و هي أعظمهن.
فلما خرجنا في اليوم الرابع، و قد و اللّه قرمت إلى اللحم [٣] و أنا هارب معدم، إذا أرنب قد اعترضت، فخذفها بالعصا، فما شعرت إلا و هي معلقة و أدركنا ذكاتها [٤] ، فقلت: هذه رابعة.
و اقبلت عليه فقلت لو أن عندنا نارا لما أخرت أكلها إلى المنزل. قال فإن عندك نارا!فأخرج عويدا من مزوده، ثم حكه بالعصا فأورت إيراء المرخ و العفار عنده لا شيء، ثم جمع ما قدر عليه من الغثاء و الحشيش فأوقد ناره و ألقى الأرنب في جوفها، فأخرجناها و قد لزق بها من الرماد و التراب ما بغّضها إلي، فعلقها بيده اليسرى ثم ضرب بالعصا على جنوبها و اعراضها ضربا رقيقا، حتى انتثر كل شيء عليها، فأكلناها و سكن القرم، و طابت النفس، فقلت: هذه خامسة.
ثم أنا نزلنا بعض الخانات، و إذ البيوت ملاء روثا و ترابا، و نزلنا بعقب جند و خراب متقدم، فلم نجد موضعا نظل فيه، فنظر إلى حديدة مسحاة [٥]
مطروحة في الدار، فأخذها فجعل العصا نصابا لها، ثم قام فجرف جميع ذلك التراب و الروث، و جرّد الأرض بها جردا، حتى ظهر بياضها، و طابت ريحها فقلت: هذه سادسة.
و على أي حال لم تطب نفسي أن أضع طعامي و ثيابي على الأرض، فنزع و اللّه العصا من حديدة المسحاة فوتدها في الحائط، و علق ثيابي عليها، فقلت: هذه سابعة.
[١] بهشت له: أقبلت إليه.
[٢] وقذها: ضربها بشدة.
[٣] قرمت: اشتدت شهوتي.
[٤] ذكاة: ذبح.
[٥] مسحاة: مجرفة من حديد.