البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ٣١ - منافع العصا و مرافقها
ثم قال الشرقيّ: و لكن دعنا من هذا، خرجت من الموصل و أنا أريد الرقة مستخفيا، و أنا شاب خفيف الحاذ، فصحبني من أهل الجزيرة فتى ما رأيت بعده مثله، فذكر أنه تغلبي، من ولد عمرو بن كلثوم، و معه مزود و ركوة و عصا، فرأيته لا يفارقها، و طالت ملازمته لها، فكدت من الغيظ أرمي بها في بعض الأودية، فكنا نمشي فإذا أصبنا دواب ركبناها، و إن لم نصب الدواب مشينا، فقلت له في شأن عصاه، فقال لي: إن موسى بن عمران صلّى اللّه عليه و سلّم حين آنس من جانب الطور نارا، و أراد الاقتباس لأهله منها، لم يأت النار في مقدار تلك المسافة القليلة إلا و معه عصاه، فلما صار بالوادي المقدس من البقعة المباركة قيل له: الق عصاك، و اخلع نعليك. فرمى بنعليه راغبا عنهما، حين نزّه اللّه ذلك الموضع عن الجلد غير الذكي، و جعل اللّه جماع امره من أعاجيبه و برهاناته في عصاه، ثم كلمه من جوف شجرة و لم يكلمه من جوف إنسان و لا جان.
قال الشرقي إنه ليكثر من ذلك و إني لأضحك متهاونا بما يقول، فلما برزنا على حمارينا تخلّف المكاري فكان حماره يمشي، فإذا تلكأ أكرهه بالعصا، و كان حماري لا ينساق، و علم أنه ليس في يدي شيء يكرهه، فسبقني الفتى إلى المنزل فاستراح و اراح، و لم أقدر على البراح، حتى وافاني المكاري، فقلت: هذه واحدة.
فلما أردنا الخروج من الغد لم نقدر على شيء نركبه، فكنا نمشي فإذا أعيا توكأ على العصا. و ربما أحضر و وضع طرف العصا على وجه الأرض فاعتمد عليها و مرّ كأنه سهم زالج، حتى انتهينا إلى المنزل و قد تفسخت من الكلال، و إذا فيه فضل كثير، فقلت هذه ثانية.
فلما كان في اليوم الثالث، و نحن نمشي في أرض ذات أخاقيق [١]
و صدوع، إذ هجمنا على حية منكرة فساورتنا، فلم تكن عندي حيلة إلا خذلانه
[١] الأخاقيق: الشقوق.