البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ٢٧٠ - قدر الشعر
و ناس سلموا من الهجاء بالخمول و القلة، كما سلمت غسان و غيلان من قبائل عمرو بن تميم، و ابتليت الحبطات لأنها أنبه منها شيئا.
و النباهة التي لا يضرّ معها الهجاء مثل نباهة بني بدر و بني فزارة، و مثل نباهة بني عدس بن زيد و بني عبد اللّه بن دارم، و مثل نباهة الديان بن عبد المدان و بني الحارث بن كعب: فليس يسلم من مضرة الهجاء إلا خامل جدا أو نبيه جدا.
و قد هجيت فزارة بأكل أير الحمار، و بكثرة شعر القفا، لقول الحارث بن ظالم:
فما قومي بثعلبة بن سعد # و لا بفزارة الشّعر الرّقابا
ثم افتخر مفتخرهم بذلك و مدحهم به الشاعر، قال مزرد بن ضرار:
منيع بين ثعلبة بن سعد # و بين فزارة الشّعر الرقاب
فما من كان بينهما بنكس # لعمرك في الخطوب و لا بكاب [١]
و أما قصة أير الحمار فإنما اللوم على المطعم لرفيقه ما لا يعرفه. فهل كان على حذف الفزاري في حق الأنفة أكثر من قتل من أطعمه الجوفان من حيث لا يدري [٢] ؟ فقد هجوا بذلك و شرفهم وافر. و قد هجيت الحارث بن كعب، و كتب الهيثم بن عدي فيهم كتابا فما ضعضع ذلك منهم، حتى كان قد كتبه لهم.
و لو لا الربيع بن خثيم، و سفيان الثوري ما علم الناس أن في الرباب حيا يقال لهم بنو ثور.
و في عكل شعر و فصاحة، و خيل معروفة الأنساب، و فرسان في الجاهلية
[١] النكس: الرجل الضعيف.
[٢] الجوفان: اير الحمار.