البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ٩١ - كتاب الزهد
٩١
فِي عُنُقِهِ وَ نُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ كِتََاباً يَلْقََاهُ مَنْشُوراً. `اِقْرَأْ كِتََابَكَ كَفىََ بِنَفْسِكَ اَلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً . عدل و اللّه عليك من جعلك حسيب نفسك. خذوا صفاء الدنيا و ذروا كدرها، فليس الصفو ما عاد كدرا، و لا الكدر ما عاد صفوا. دعوا ما يريبكم إلى ما لا يريبكم. ظهر الجفاء و قلت العلماء، و عفت السنة و شاعت البدعة. لقد صحبت أقواما ما كانت صحبتهم إلا قرّة العين، و جلاء الصدر. و لقد رأيت أقواما كانوا من حسناتهم أشفق من أن ترد عليهم، منكم من سيئاتكم أن تعذبوا عليها، و كانوا فيما أحلّ اللّه لهم من الدنيا أزهد منكم فيما حرم عليكم منها. ما لي أسمع حسيسا و لا أرى أنيسا. ذهب الناس و بقي النسناس [١] . لو تكاشفتم ما تدافنتم. تهاديتم الأطباق و لم تتهادوا النصائح. قال ابن الخطاب: رحم اللّه امرأ أهدى إلينا مساوينا. أعدوا الجواب فإنكم مسئولون. المؤمن لم يأخذ دينه عن رأيه و لكن أخذه من قبل ربه. إن هذا الحق قد جهد أهله و حال بينهم و بين شهواتهم، و ما يصبر عليه إلا من عرف فضله، و رجا عاقبته. فمن حمد الدنيا ذم الآخرة، و ليس يكره لقاء اللّه إلا مقيم على سخطه. يا ابن آدم، ليس الإيمان بالتحلي و لا بالتمني، و لكنه ما وقر في القلوب، و صدقته الأعمال.
و كان إذا قرئ: أَلْهََاكُمُ اَلتَّكََاثُرُ قال: عم ألهاكم؟!ألهاكم عن دار الخلود، و جنة لا تبيد. هذا و اللّه فضح القوم، و هتك الستر و أبدى العوار [٢] .
تنفق مثل ديتك في شهواتك سرفا، و تمنع في حق اللّه درهما. ستعلم يا لكع [٣] . الناس ثلاثة: مؤمن، و كافر، و منافق. فأما المؤمن فقد ألجمه الخوف، و وقمه ذكر العرض. و أما الكافر فقد قمعه السيف، و شرده الخوف، فأذعن بالجزية، و أسمح بالضريبة. و أما المنافق ففي الحجرات و الطرقات، يسرون غير ما يعلنون، و يضمرون غير ما يظهرون. فاعتبروا إنكارهم ربهم بأعمالهم الخبيثة. ويلك!قتلت وليه ثم تتمنى عليه جنته!
[١] خلق على صورة الناس.
[٢] العوار: العيب.
[٣] اللكع: اللئيم الأحمق.