البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ٩٢ - كتاب الزهد
و كان يقول: رحم اللّه رجلا خلا بكتاب اللّه فعرض عليه نفسه، فإن وافقه حمد ربه و سأله الزيادة من فضله، و إن خالفه اعتتب و أناب [١] ، و رجع من قريب. رحم اللّه رجلا وعظ أخاه و أهله فقال: يا أهلي، صلاتكم صلاتكم، زكاتكم زكاتكم، جيرانكم جيرانكم، إخوانكم إخوانكم، مساكنكم مساكنكم، لعل اللّه يرحمكم. فإن اللّه تبارك و تعالى أثنى على عبد من عباده فقال: وَ كََانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاََةِ وَ اَلزَّكََاةِ وَ كََانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا . يا ابن آدم: كيف تكون مسلما و لم يسلم منك جارك، و كيف تكون مؤمنا و لم يأمنك الناس.
و كان يقول: لا يستحق أحد حقيقة الإيمان حتى لا يعيب الناس بعيب هو فيه، و لا يأمر بإصلاح عيوبهم حتى يبدأ بإصلاح ذلك من نفسه، فإنه إذا فعل ذلك لم يصلح عيبا إلا وجد في نفسه عيبا آخر ينبغي له أن يصلحه. فإذا فعل ذلك شغل بخاصة نفسه عن عيب غيره. و إنك ناظر إلى عملك يوزن خيره و شره، فلا تحقرنّ شيئا من الخير و إن صغر، فإنك إذا رأيته سرّك مكانه. و لا تحقرن شيئا من الشر و إن صغر، فإنك إذا رأيته ساءك مكانه.
و كان يقول: رحم اللّه امرأ كسب طيّبا و أنفق قصدا، و قدّم فضلا. وجهوا هذه الفضول حيث وجهها اللّه، وضعوها حيث أمر اللّه، فإن من كان قبلكم كانوا يأخذون من الدنيا بلاغهم و يؤثرون بالفضل. ألا أن هذا الموت قد أضرّ بالدنيا ففضحها، فلا و اللّه ما وجد ذو لب فيها فرحا. فإياكم و هذه السبل المتفرقة، التي جماعها الضلالة و ميعادها النار. أدركت من صدر هذه الأمة قوما كانوا إذا أجنّهم الليل فقيام على أطرافهم، يفترشون وجوههم، تجري دموعهم على خدودهم، يناجون مولاهم في فكاك رقابهم [٢] . إذا عملوا الحسنة سرتهم و سألوا اللّه أن يتقبلها منهم، و إذا عملوا سيئة ساءتهم و سألوا اللّه أن يغفرها لهم. يا بن آدم، إن كان لا يغنيك ما يكفيك فليس هاهنا شيء يغنيك، و إن
[١] اعتتب: رجع من أمر و انصرف عنه.
[٢] فكاك الرقبة: تخليصها من أسار الرق.