البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ١٢ - مطاعن الشعوبية على العرب في الخطابة و العلوم و الحرب
و قال آخر:
ما للفرزدق من عز يلوذ به # إلا بني العمّ في أيديهم الخشب
قالوا: و إنما كانت رماحكم من مرّان، و أسنتكم من قرون البقر، و كنتم تركبون الخيل في الحرب اعراء. فإن كان الفرس ذا سرج فسرجه رحالة من أدم، و لم يكن ذا ركاب، و الرّكاب من أجود آلات الطاعن برمحه، و الضارب بسيفه. و ربما قام فيهما أو اعتمد عليهما. و كان فارسهم يطعن بالقناة الصماء، و قد علمنا أن الجوفاء أخف محملا، و أشد طعنة. و يفخرون بطول القناة و لا يعرفون الطعن بالمطاردة [١] ، و إنما القنا الطوال للرّجالة، و القصار للفرسان، و المطارد لصيد الوحش. و يفخرون بطول الرمح و قصر السيف، فلو كان المفتخر بقصر السيف الراجل دون الفارس، لكان الفارس يفخر بطول السيف، و إن كان الطول في الرمح إنما صار صوابا لأنه ينال به البعيد، و لا يفوته العدو، و لأن ذلك يدل على شدة أسر الفارس و قوة أيده. فكذلك السيف الطويل العريض.
و كنتم تتخذون للقناة زجّا و سنانا حين لم يقبض الفارس منكم على أصل قناته، و يعتمد عند طعنته بفخذه، و يستعن بحمية فرسه.
و كان أحدكم يقبض على وسط القناة و يخلف منها مثل ما قدم، فإنما طعنكم الرزة [٢] و النهزة [٣] ، و الخلس و الزج [٤] .
و كنتم تتساندون في الحرب، و قد أجمعوا على أن الشركة ردية في ثلاثة أشياء: في الملك، و الحرب، و الزوجة.
و كنتم لا تقاتلون بالليل، و لا تعرفون البيات [٥] و لا الكمين، و لا الميمنة و لا
[١] المطاردة: التضارب بالمطارد و هي الرماح القصيرة تطرد بها الوحوش.
[٢] الرزة: الطعنة.
[٣] النهزة: الطعن في دفع مرة تلو اخرى.
[٤] الخلس: الطعن بسرعة كأنما يختلسها الطاعن. الزج: طعنة عاجلة.
[٥] البيات: الايقاع بالعدو.