البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ١٠ - مطاعن الشعوبية على العرب في الخطابة و العلوم و الحرب
قالوا: و الخطابة شيء في جميع الأمم، و بكلّ الأجيال [١] إليه أعظم الحاجة، حتى أن الزّنج مع الغثارة [٢] ، و مع فرط الغباوة، و مع كلال الحد و غلظ الحس و فساد المزاج، لتطيل الخطب، و تفوق في ذلك جميع العجم، و إن كانت معانيها أجفى و أغلظ، و ألفاظها أخطل و أجهل [٣] . و قد علمنا أن أخطب الناس الفرس و أخطب الفرس أهل فارس، و أعذبهم كلاما و أسهلهم مخرجا و أحسنهم دلاّ [٤] و أشدهم فيه تحكما، أهل مرو، و أفصحهم بالفارسية الدريّة، و باللغة الفهلوية، أهل قصبة الأهواز، فأما نغمة الهرابذة [٥] ، و لغة الموابذة [٦] ، فلصاحب تفسير الزمزمة [٧] .
قالوا: و من أحبّ أن يبلغ في صناعة البلاغة، و يعرف الغريب، و يتبحر في اللغة، فليقرأ كتاب كاروند. و من احتاج إلى العقل و الأدب، و العلم بالمراتب و العبر و المثلات [٨] ، و الألفاظ الكريمة، و المعاني الشريفة، فلينظر في سير الملوك. فهذه الفرس و رسائلها و خطبها و الفاظها، و معانيها. و هذه يونان و رسائلها و خطبها، و عللها و حكمها، و هذه كتبها في المنطق التي قد جعلتها الحكماء بها تعرف السقم من الصحة، و الخطأ من الصواب، و هذه كتب الهند في حكمها و أسرارها، و سيرها و عللها، فمن قرأ هذه الكتب، و عرف نور تلك العقول، و غرائب تلك الحكم، عرف أين البيان و البلاغة، و أين تكاملت تلك الصناعة. فكيف سقط على جميع الأمم من المعروفين بتدقيق المعاني، و تخيّر الألفاظ، و تمييز الأمور، أن يشيروا بالقنا و العصي، و القضبان و القسي.
[١] الأجيال: مفردها: جيل: صنف من الناس.
[٢] الغثارة: الحمق و الجهل.
[٣] الخطل: الخطأ.
[٤] دلا: هديا.
[٥] هرابذة: بيوت النار التي للهند.
[٦] موابذة: مفردها موبذ: قاضي المجوس.
[٧] الزمزمة: صوت لا يستعمل فيه اللسان أو الشفة. يستعملها المجوس عند الطعام.
[٨] المثلات: مفردها المثلة، العقوبة و التنكيل.