البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ١١٥ - كتاب الزهد
و قال: من هوان الدنيا على اللّه أنه لا يعصى إلا فيها، و لا ينال ما عنده إلا بتركها.
قال: مر عيسى بن مريم عليه السلام بقوم يبكون، فقال: ما بالهم يبكون، فقالوا: على ذنوبهم. قال: «اتركوها يغفر لكم» .
قال: و قال زياد بن أبي زياد، مولى عبد اللّه بن عياش بن أبي ربيعة:
دخلت على عمر بن عبد العزيز، فلما رآني تزحل عن مجلسه [١] و قال: إذا دخل عليك رجل لا ترى لك عليه فضلا فلا تأخذ عليه شرف المجلس.
و قال الحسن: «إن أهل الدنيا و إن دقدقت بهم الهماليج [٢] ، و وطئ الناس أعقابهم، فإن ذل المعصية في قلوبهم» .
قالوا: و كان الحجاج يقول إذا خطب: «إنا و اللّه ما خلقنا للفناء، و إنما خلقنا للبقاء، و إنما ننقل من دار إلى دار» . و هذا من كلام الحسن.
و لما ضرب عبد اللّه بن علي تلك الأعناق قال له قائل: هذا و اللّه جهد البلاء؟فقال عبد اللّه: ما هذا و شرطة الحجام إلا سواء. و إنما جهد البلاء فقر مدقع بعد غنى موسع.
و قال آخر: أشدّ من الخوف الشيء الذي من أجله يشتد الخوف.
و قال آخر: أشد من الموت ما يتمنى له الموت، و خير من الحياة ما إذا فقدته أبغضت له الحياة.
و قال أهل النار: (يا مالك ليقض علينا ربك) ، فلما لم يجابوا إلى الموت قالوا: (أفيضوا علينا من الماء) .
[١] تزحل عن مجلسه: تنحى و تباعد.
[٢] الدقدقة: حكاية أصوات حوافر الدواب. الهماليج: مفردها هملاج: البرذون الحسن السير.