البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ١١٤ - كتاب الزهد
أوصيكم بالجلّة التلاد [١] # فإنما حولكم الأعادي
قال ابن الأعرابي: كان العباس بن زفر لا يكلم أحدا حتى تنبسط الشمس، فإذا انفتل عن مصلاه ضرب الأعناق، و قطع الأيدي و الأرجل. و كان جرير بن الخطفي لا يتكلم حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت قذف المحصنات.
قال: و مرت به جنازة فبكى و قال: أحرقتني هذه الجنائز!قيل: فلم تقذف المحصنات؟قال: يبدو لي و لا أصبر.
و كان يقول: أنا لا أبتدي و لكن أعتدي.
الحسن بن الربيع الكندي بإسناد له، قال: قال رجل للنبي صلّى اللّه عليه و سلّم: دلني على عمل إذا أنا عملته أحبني اللّه و أحبني الناس. قال: «ازهد في الدنيا يحبك اللّه، و ازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس» .
قال: و بلغني عن القاسم بن مخيمرة الهمداني، أنه قال: إني لأغلق بابي فما يجاوزه همي.
و قال أبو الحسن: وجد في حجر مكتوب: يا بن آدم، لو إنك رأيت يسير ما بقي من أجلك لزهدت في طول ما ترجو من أملك، و لرغبت في الزيادة في عملك، و لقصرت في حرصك و حيلك. و إنما يلقاك غدا ندمك لو قد زلت بك قدمك، و أسلمك أهلك و حشمك، و تبرأ منك القريب، و انصرف عنك الحبيب، فلا أنت إلى أهلك بعائد، و لا في عملك بزائد.
و قال عيسى بن مريم صلوات اللّه عليه: «تعملون للدنيا و أنتم ترزقون فيها بغير العمل، و لا تعملون للآخرة و أنتم لا ترزقون فيها إلا بالعمل» .
قال: أوحى اللّه تبارك و تعالى إلى الدنيا: من خدمني فاخدميه، و من خدمك فاستخدميه.
[١] الجلة: المسان من الابل. التلاد: كل مال موروث.