البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ٩٥ - كتاب الزهد
أناله فيما بقي. يمنع الذي لي من غيري، كما منع الذي لغيري مني. ففي أي هذين أفني عمري، و أهلك نفسي.
و دخل على بعض الملوك من بني مروان فقال: أبا حازم، ما المخرج مما نحن فيه؟قال: تنظر إلى ما عندك فلا تضعه إلا في حقه، و ما ليس عندك فلا تأخذه إلا بحقه. قال: و من يطيق ذلك يا أبا حازم؟قال: فمن أجل ذلك ملئت جهنم من الجنة و الناس أجمعين. قال: ما مالك؟قال: مالان. قال:
ما هما؟قال: الثقة بما عند اللّه، و اليأس مما في أيدي الناس. قال: أرفع حوائجك إلينا. قال: هيهات، قد رفعتها إلى من لا تختزل الحوائج دونه، فإن أعطاني منها شيئا قبلت، و إن زوى عنى منها شيئا رضيت.
و قال الفضيل بن عياض: يا ابن آدم، إنما يفضلك الغني بيومك. أمس قد خلا، و غد لم يأت، فإن صبرت. يومك أحمدت أمرك، و قويت على غدك.
و إن عجزت يومك أذممت أمرك، و ضعفت عن غدك. و إن الصبر يورث البرء، و إن الجزع يورث السقم، و بالسقم يكون الموت، و بالبرء تكون الحياة.
و قال الحسن: أيا فلان، أ ترضى هذه الحال التي أنت عليها للموت إذا نزل بك؟قال: لا. قال: أ فتحدّث نفسك بالانتقال عنها إلى حال ترضاها للموت إذا نزل بك؟قال: حديثا بغير حقيقة. قال: أ فبعد الموت دار فيها مستعتب [١] ؟قال: لا. قال: فهل رأيت عاقلا رضي لنفسه بمثل الذي رضيت به لنفسك؟! قال عيسى بن مريم صلّى اللّه عليه و سلّم: «ألا إن أولياء اللّه لا خوف عليهم و لا هم يحزنون. الذين نظروا إلى باطن الدنيا حين نظر الناس إلى ظاهرها، و إلى آجل الدنيا حين نظر الناس إلى عاجلها، فأماتوا منها ما خشوا أن يميت قلوبهم، و تركوا منها ما علموا أن سيتركهم» .
[١] مستعتب: استرضاء.