البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ٢٣٠ - من الشعر السياسي
يعذي مسارحه و يصفي شربه # و يبيت بالربوات و الأعلام [١]
حتى تبحبح ضاربا بجرانه # و رست مراسيه بدار سلام [٢]
في كل ثغر حارس من قلبه # و شعاع طرف لا يفتّر سام
و هذا شبيه بقول العتّابي في هارون:
أمام له كف يضم بنانها # عصا الدين ممنوعا من البري عودها
و عين محيط بالبرية طرفها # سواء عليه قربها و بعيدها
و أصمع يقظان يبيت مناجيا # له في الحشا مستودعات يكيدها [٣]
سميع إذا ناداه من قعر كربة # مناد كفته دعوة لا يعيدها
و قال أيضا كلثوم بن عمرو العتّابي:
تلوم على ترك الغنى باهليّه # زوى الدهر عنها كل طرف و تالد
رأت حولها النسوان يرفلن في الكسا # مقلدة أجيادها بالقلائد
يسّرك أني نلت ما نال جعفر # من الملك أو ما نال يحيى بن خالد
و إن أمير المؤمنين أغصني # مغصهما بالمرهفات البوارد
ذريني تجئني. ميتتي مطمئنة # و لم أتجشم هول تلك الموارد
فإن كريمات المعالي مشوبة # بمستودعات في بطون الأساود
و قال الحسن بن هانئ:
عجبت لهارون الإمام و ما الذي # يروّي و يرجو فيك يا خلقة السّلق [٤]
قفا خلف وجه قد أطيل كأنه # قفا ملك يقضي الحقوق على بثق [٥]
و أعظم زهوا من ذباب على خرا # و أبخل من كلب عقور على عرق
[١] يعذي: يصير طيبا.
[٢] ضرب بجرانه: استقر و استقام.
[٣] الأصمع: القلب الذكي، المتيقظ. يكيدها: يعالجها.
[٤] السلق: الذئب.
[٥] بثق: اسراع دمع العين في النزول.