البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ٩٩ - كتاب الزهد
و ركب سليمان بن عبد الملك يوما في زي عجيب، فنظرت إليه جارية له فقالت: إنك لمعني ببيتي الشاعر. قال: و ما هما؟فأنشدته:
أنت نعم المتاع لو كنت تبقى # غير أن لا بقاء للإنسان
ليس فيما بدا لنا منك عيب # كان في الناس غير أنك فان
قال: ويلك نعيت إليّ نفسي.
قال: صام رجل سبعين سنة، ثم دعا اللّه بحاجة فلم يستجب له، فرجع لنفسه فقال: «منك أتيت» . فكان اعترافه أفضل من صومه.
و قال: من تذكر قدرة اللّه لم يستعمل قدرته في ظلم عباد اللّه.
و قال الحسن: إذا سرّك أن تنظر إلى الدنيا بعدك فانظر إليها بعد غيرك.
و كان الحسن يقول: ليس الإيمان بالتحلي و لا التمني، و لكن ما وقر في القلوب، و صدقته الأعمال.
قال: مات ذر بن أبي ذر الهمداني، من بني مرهبة، و هو ذر بن عمر بن ذر فوقف على قبره فقال: يا ذر، و اللّه ما بنا إليك من فاقة، و ما بنا إلى أحد سوى اللّه من حاجة. يا ذر، شغلني الحزن لك عن الحزن عليك. ثم قال: اللهم إنك وعدتني بالصبر على ذر صلواتك و رحمتك. اللهم و قد وهبت ما جعلت لي من أجر على ذر لذر فلا تعرفه قبيحا من عمله، اللهم و قد وهبت له إساءته إلي فهب لي إساءته إلى نفسه، فإنك أجود و أكرم.
فلما أنصرف عنه التفت إلى قبره و قال: يا ذر، قد انصرفنا و تركناك و لو أقمنا ما نفعناك! سحيم بن حفص قال: قال هانئ بن قبيصة، لحرقة بنت النعمان، و رآها تبكي: ما لك تبكين؟قالت: رأيت لأهلك غضارة، و لم تمتلئ دار قط فرحا إلا امتلأت حزنا.
قال: و نظرت امرأة أعرابية إلى امرأة حولها عشرة من بنيها كأنهم الصقور، فقالت: لقد ولدت أمكم حزنا طويلا. ـ