البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ١١٦ - كتاب الزهد
و قالوا: ليس في النار عذاب أشد على أهله من علمهم بأنه ليس لكرمهم تنفيس، و لا لضيقهم ترفيه، و لا لعذابهم غاية. و لا في الجنة نعيم أبلغ من علمهم أن ذلك الملك لا يزول.
قالوا: قارف الزّهريّ ذنبا، فاستوحش من الناس و هام على وجهه، فقال له زيد بن علي: يا زهري، لقنوطك من رحمة اللّه التي وسعت كل شيء أشد عليك من ذنبك!فقال الزهري: (اللّه أعلم حيث يجعل رسالاته) ) فرجع إلى ماله و أهله و أصحابه.
قال ابن المبارك: أفضل الزهد أخفاه.
الأوزاعي، عن مكحول قال: إن كان في الجماعة الفضيلة فإن في العزلة السلامة.
اسماعيل بن عياش، عن عبد اللّه بن دينار، قال: قال النبي صلّى اللّه عليه و سلّم: «إن اللّه كره لكم العبث في الصلاة، و الرفث في الصيام، و الضحك في المقابر» .
و قال أردشيرخرّه: احذروا صولة الكريم إذا جاع، و اللئيم إذا شبع.
قال واصل بن عطاء: المؤمن إذا جاع صبر، و إذا شبع شكر.
و قيل لعامر بن عبد قيس: ما تقول في الإنسان؟قال: ما عسى أن أقول فيمن إذا جاع ضرع، و إذا شبع طغى.
قال: و نظر أعرابي في سفره إلى شيخ قد صحبه، فرآه يصلي فسكن إليه، فلما قال: أنا صائم، إرتاب به، و أنشأ يقول:
صلى فأعجبني و صام فرابني # نحّ القلوص [١] عن المصلّي الصائم
و هو الذي يقول:
لم يخلق اللّه مسجونا تسائله # ما بال سجنك إلا قال: مظلوم
[١] القلوص: الفتية من الابل.