البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ١١٨ - كتاب الزهد
قال رجل ليونس بن عبيد: أتعلم أحدا يعمل بعمل الحسن؟قال: و اللّه ما أعرف أحدا يقول بقوله، فكيف يعمل بمثل عمله؟!قال: صفه لنا.
قال: كان إذا أقبل فكأنه أقبل في دفن حميمه، و كان إذا جلس فكأنه أسير قد أمر بضرب عنقه، و كان إذا ذكرت النار عنده فكأنها لم تخلق إلا له.
وهيب بن الورد [١] قال: بينا أنا أدور في السوق إذ أخذ آخذ بقفاي فقال لي: يا وهيب، اتق اللّه في قدرته عليك، و استحي اللّه في قربه منك.
و قال عبد الواحد بن زيد لأصحابه: أ لا تستحيون من طول ما لا تستحيون! الهيثم قال: كان شيخ من أعراب طي كثير الدعاء بالمغفرة، فقيل له في ذلك، فقال: و اللّه إن دعائي بالمغفرة مع قبح إصراري للؤم، و إن تركي الدعاء مع قوة طمعي لعجز.
قال أبو بشر صالح المري: إن تكن مصيبتك في أخيك أحدثت لك خشية فنعم المصيبة مصيبتك، و إن تكن مصيبتك بأخيك أحدثت لك جزعا فبئس المصيبة مصيبتك.
و قال عمر بن عبيد لرجل يعزيه: كان أبوك أصلك، و ابنك فرعك، فما بقاء شيء ذهب أصله و لم يبق فرعه.
و قال الحسن: إن امرأ ليس بينه و بين آدم إلا أب ميت لمعرق في الموت.
و قالوا: أعظم من الذنب اليأس من الرحمة، و أشد من الذنب المماطلة بالتوبة.
ابن لهيعة، عن سيار بن عبد الرحمن، قال: قال لي بكير بن الأشج:
[١] وهيب بن الورد اسمه عبد الوهاب بن الورد القرشي من العباد الزهاد، توفي سنة ١٥٣ هـ.