البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ٩ - مطاعن الشعوبية على العرب في الخطابة و العلوم و الحرب
قال أبو اليقظان: كانوا يقولون: أخطب بني تميم البعيث إذا أخذ القناة فهزها ثم اعتمد بها على الارض، ثم رفعها.
و قال يونس: لعمري لئن كان مغلّبا في الشعر لقد كان غلّب في الخطب. و إذا قالوا غلب فهو الغالب. و إذا قالوا مغلّب فهو المغلوب.
و في حديث النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أنه جاء إلى البقيع، و معه مخصرة، فجلس و نكت بها الأرض، ثم رفع رأسه فقال: «ما من نفس منفوسة إلا و قد كتب مكانها من الجنة أو النار» . و هو من حديث أبي عبد الرحمن السّلمي.
و مما يدلك على استحسانهم شأن المخصرة حديث عبد اللّه بن أنيس ذي المخصرة، و هو صاحب ليلة الجهنيّ، و كان النبي عليه السلام أعطاه مخصرة و قال: «تلقاني بها في الجنة» . و هو مهاجريّ عقبيّ أنصاري، و هو ذو المخصرة في الجنة.
[مطاعن الشعوبية على العرب في الخطابة و العلوم و الحرب]
قالت الشعوبية و من يتعصب للعجمية: القضيب للإيقاع، و القناة للبقّار، و العصا للقتال، و القوس للرمي. و ليس بين الكلام و بين العصا سبب، و لا بينه و بين القوس نسب، و هما إلى أن يشغلا العقل و يصرفا الخواطر، و يعترضا على الذهن أشبه، و ليس في حملهما ما يشحذ الذهن، و لا في الإشارة بهما ما يجلب اللفظ. و قد زعم أصحاب الغناء أن المغني إذا ضرب على غنائه، قصّر عن المغني الذي لا يضرب على غنائه. و حمل العصا بأخلاق الفدادين [١]
أشبه، و هو بجفاء العرب و عنجهية أهل البدو، و مزاولة إقامة الإبل على الطرق [٢] أشكل، و به أشبه.
[١] الفداد: الجافي الكلام و الموت.
[٢] اقامة الابل على الطرق: توجيهها الجهة المستقيمة.