البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ١٠٦ - كتاب الزهد
قال أبو ذر: تخضمون و نقضم [١] ، و الموعد للّه.
قال الزبير: يكفينا من خضمكم القضم و من نصّكم العنق [٢] .
و قال أيمن بن خريم [٣] :
رجوا بالشقاق الأكل خضما فقد رضوا # أخيرا من أكل الخضم أن يأكلوا قضما
و قال عمرو لمعاوية: من أصبر الناس؟قال: من كان رأيه رادا لهواه.
و تواصفوا حال الزاهد بحضرة الزهري، فقال الزهري: «الزاهد من لم يغلب الحرام صبره، و لا الحلال شكره» .
قال: و ذكر عند أعرابي رجل بشدة الاجتهاد، و كثرة الصوم، و طول الصلاة، فقال: هذا رجل سوء، أ و ما يظن هذا أن اللّه يرحمه حتى يعذب نفسه هذا التعذيب.
قال أبو بكر: ما ظنك بخالق الكرامة لمن يريد كرامته و هو عليه قادر؟ و ما ظنك بخالق الهوان لمن يريد هوانه و هو عليه قادر؟ و زعم أبو عمرو الزعفراني، قال: كان عمرو بن عبيد عند حفص بن سالم، فلم يسأله أحد من أهله و حشمه حاجة إلا قال: لا. فقال عمرو: أقلّ من قول لا، فإنه ليس في الجنة لا.
قال: و قل عمرو: كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم إذا سئل ما يجد أعطى، و إذا سئل ما لا يجد قال: يصنع اللّه.
قال: و قال عمرو بن الخطاب رحمه اللّه: «أكثروا لهن من قول لا، فإن نعم يضريهن على المسألة» . قال: و إنما يخص بذلك عمر النساء.
[١] خضم: أكل بجميع الفم. قضم: أكل بأطراف الاسنان.
[٢] النص: أن تستخرج الدابة بأقصى سيرها. العنق: ضرب من السير.
[٣] ايمن بن خريم بن الأخرم، من شعراء الدولة الأموية.