البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ٢٣٩ - أخبار المنصور و المهدي و المأمون
سابور داعية إلى أهل خراسان، و كانوا قوما عجما يعظّمون الدنيا جهالة بالدّين، و يخلّون بالدين استكانة لقوت الدنيا، و ذلا لجبابرتها، فجمعهم على دعوة من الهوى يكيد به مطالب الدنيا، و اغتر بقتل ملوكهم لهم و تخوّلهم إياهم- و كان يقال: «لكل ضعيف صولة، و لكل ذليل دولة» -فلما تلاحمت أعضاء الأمور التي لقح، استحالت حربا عوانا شالت أسافلها بأعاليها، فانتقل العزّ إلى أرذلهم، و النباهة إلى أخملهم، فأشربوا له حبا مع خفض من الدنيا افتتح بدعوة من الدين، فلما استوسقت له البلاد بلغ سابور أمرهم و ما أحال عليه من طاعتهم، و لم يأمن زوال القلوب و غدرات الوزراء، فاحتال في قطع رجائه عن قلوبهم، و كان يقال:
و ما قطع الرجاء بمثل يأس # تبادهه القلوب على اغترار
فصمّم على قتله عند وروده عليه برؤساء أهل خراسان و فرسانهم، فقتله، فبغتهم بحدث، فلم يرعهم إلا و رأسه بين أيديهم، فوقف بهم بين الغربة و نأي الرجعة، و تخطّف الأعداء، و تفرّق الجماعة، و اليأس من صاحبهم، فرأوا أن يستتموا الدعوة بطاعة سابور، و يتعوضوه من الفرقة، فأذعنوا له بالملك و الطاعة، و تبادروه بمواضع النصيحة، فملكهم حتى مات حتف أنفه.
فأطرق المنصور مليا ثم رفع رأسه و هو يقول:
لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا # و ما علّم الإنسان إلا ليعلما
و أمر اسحاق بالخروج و دعا بأبي مسلم، فلما نظر إليه داخلا قال:
قد اكتنفتك خلاّت ثلاث # جلبن عليك محذور الحمام
خلافك و امتنانك ترتميني # وقودك للجماهير العظام