البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ٣٣ - منافع العصا و مرافقها
فلما صرت إلى مفرق الطرق، و أردت مفارقته، قال لي: لو عدلت فبتّ عندي كنت قد قضيت حقّ الصحبة، و المنزل قريب. فعدلت معه فأدخلني في منزل يتصل ببيعة. قال: فما زال يحدثني و يطرفني و يلطفني الليل كله، فلما كان السحر أخذ خشيبة ثم أخرج تلك العصا بعينها فقرعها بها، فإذا ناقوس ليس في الدنيا مثله، و إذا هو أحذق الناس بضربه، فقلت له: ويلك، أما أنت مسلم و أنت رجل من العرب من ولد عمرو بن كلثوم؟قال: بلى. قلت فلم تضرب بالناقوس؟قال: جعلت فداك!إن أبي نصراني، و هو صاحب البيعة، و هو شيخ ضعيف، فإذا شهدته بررته بالكفاية.
فإذا هو شيطان مارد، و إذا أظرف الناس كلهم و أكثرهم أدبا و طلبا، فخبرته بالذي أحصيت من خصال العصا، بعد أن كنت هممت أن أرمي بها، فقال: و اللّه لو حدثتك عن مناقب نفع العصا إلى الصبح لما استنفدتها.
تفسير شعر غنيه الأعرابية، في شأن ابنها.
و ذلك إنه كان لها ابن شديد العرامة [١] ، كثير التفلت إلى الناس، مع ضعف أسر و دقة عظم، فواثب مرة فتى من الأعراب فقطع الفتى أنفه، فأخذت غنية دية أنفه فحسنت حالها بعد فقر مدقع. ثم واثب آخر فقطع أذنه فأخذت الدية فزادت دية أذنه في المال و حسن الحال. ثم واثب بعد ذلك آخر فقطع شفته فأخذت دية شفته. فلما رأت ما قد صار عندها من الإبل و الغنم و المتاع و الكسب بجوارح ابنها حسن رأيها فيه، فذكرته في أرجوزة لها تقول فيها:
أحلف بالمروة يوما و الصّفا # إنك خير من تفاريق العصا
فقيل لابن الأعرابي: ما تفاريق العصا؟قال: العصا تقطع ساجورا [٢]
و تقطّع عصا الساجور فتصير أوتادا، و يفرّق الوتد فيصير كل قطعة شظاظا [٣] .
فإذا كان رأس الشظاظ كالفلكة صار للبختيّ مهارا، و هو العود الذي يدخل في
[١] العرامة: الشراسة و الشدة.
[٢] الساجور: الخشبة التي توضع في عنق الكلب.
[٣] الشظاظ: العود الذي يدخل في الجوالق.