البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ٤٤ - منافع العصا و مرافقها
فبتّ بأحصنها منزلا # ثقيلا على عنق السالك
و لست بضيف و لا في كراء # و لا مستعير و لا مالك
و ليس بغصب و لا كالرهون # و لا يشبه الوقف عن هالك
و لي مسمعان فأدناهما # يغني و يمسك في الحالك
و أقصاهما ناظر في السما # ء عمدا و أوسخ من عارك [١]
المسمعان هاهنا أحدهما قيده، و الآخر صاحب الجرس.
قال: و أخبرني الكلابي قال: قاتلت بنو عم لي بعضهم بعضا، فجعل بعضهم ينضم إلى بعض لواذا مني، و ليس لي في ذلك هجيرى إلا قولي:
قد جعلت تأوى إلى خمّانها [٢] # و كرسها العاديّ من أعطانها [٣]
فلما طلبوا القصاص، قلت: دونكم يا بني عمي حقكم، فأنا اللحم و أنتم الشفرة، إن وهبتم شكرت، و إن اعتقلتم عقلت، و إن اقتصصتم صبرت.
قال: و سألت يونس عن قوله: (نسيا منسيا) ، قال: تقول العرب إذا ارتحلوا عن المنزل ينزلونه: انظروا أنساءكم. و هي العصا، و القدح، و الشظاظ، و الحبل. قال فقلت: إني ظننت هذه الأشياء لا ينساها أربابها إلا لأنها أهون المتاع عليهم. قال ليس ذلك كذلك، المتاع الجافي يذكر بنفسه، و صغار المتاع تذهب عنها العيون. و إنما تذهب نفوس العامة إلى حفظ كل ثمين و إن صغر جسمه، و لا يقفون على أقدار فوت الماعون عند الحاجة و فقد المحلات في الأسفار.
و قال يونس: المنسي ما تقادم العهد به و نسي حينا لهوانه. و لم تكن مريم لتضرب المثل في هذا الموضع بالأشياء النفيسة التي الحاجة إليها أعظم من الحاجة إلى الشيء الثمين في الأسواق.
[١] العارك: الحائط.
[٢] الخمان: رديء الشجر.
[٣] الكرس: أبوال الابل و الغنم و ابعارها. الأعطان: مبرك الابل.