البخلاء - الجاحظ - الصفحة ٩٣ - قصة أبي محمد الخزامي
و هذا إذا استحال خلا، و أكثر ذلك أن يحول عن النبيذ، و لا يصير إلى الخلّ. و إن سلم، و أعوذ باللّه، و جاد و صفا، لم نجد بدّا من شربه، و لم تطب أنفسنا بتركه. فإن قعدت في البيت أشرب منه، لم يمكن إلا بترك سلاف [١] الفارسيّ المعسّل، و الدجاج المسمّن، و جداء كسكر [٢] ، و فاكهة الجبل، و النقل الهشّ، و الريحان الغضّ، عند من لا يغيض ماله، و لا تنقطع مادته، و عند من لا يبالي على أيّ قطريه [٣] سقط، مع فوت الحديث المؤنس، السماع الحسن.
و على أني إن جلست في البيت أشربه، لم يكن لي بدء من واحد، و ذلك الواحد لا بدّ له من دريهم لحم، و من طسوج [٤] نقل، و قيراط ريحان، و من أبراز للقدر، و من حطب للوقود. و هذا كلّه غرم، و هو بعد هذا سؤم، و حرفة، و خروج من العادة الحسنة، فإن كان ذلك النديم غير موافق، فأهل الحبس أحسن حالا مني. و إن كان و أعوذ باللّه موافقا، فقد فتح اللّه على مالي بابا من التلف، لأنه حينئذ يسير في مالي كسيري في مال من هو فوقي. و إذا علم الصديق أن عندي زائرا و نبيذا، دق الباب، دقّ المدل. فإن حجبناه فبلاء، و إن أدخلناه فشقاء.
و إن بدا لي في استحسان حديث الناس، كما يستحسنه مني من أكون عنده، فقد شاركت المسرفين، و فارقت إخواني من المصلحين، و صرت من إخوان الشياطين. فإذا صرت كذلك، فقد ذهب كسبي من مال غيري، و صار غيري يكسب منّي. و أنا لو ابتليت بأحدهما لم أقم له، فكيف إذا ابتليت بأن أعطي و لا آخذ. أعوذ باللّه من الخذلان بعد
[١] سلاف الفارسي: افضل الخمر الفارسي.
[٢] كسكر: كورة قصبتها واسط.
[٣] قطريه: طرفيه.
[٤] طسّوج: سدس الدرهم (لفظة معربة) .