البخلاء - الجاحظ - الصفحة ١١٣ - قصة الكنديّ
قال معبد: نزلنا دار الكندي أكثر من سنة، نروّج له الكراء، و نقضي له الحوائج، و نفي له بالشرط. قلت: قد فهمت ترويج الكراء، و قضاء الحوائج. فما معنى الوفاء بالشرط؟قال: في شرطه على السكان أن يكون له روث الدابة [١] ، و بعر الشاة و نشوار [٢] العلوفة، و ألا يلقوا عظما، و لا يخرجوا كساحة [٣] . و أن يكون له نوى التمر، و قشور الرمان، و الغرفة من كل قدر تطبخ للحبلى في بيته. و كان في ذلك يتنزّل عليهم؛ فكانوا لطيبه و إفراط بخله، و حسن حديثه، يحتملون ذلك.
قال معبد: فبينا أنا كذلك، إذ قدم ابن عمّ لي و معه ابن له، و إذا رقعة منه قد جاءتني: «إن كان مقام هذين القادمين ليلة أو ليلتين، احتملنا ذلك. و إن كان إطماع السكان في الليلة الواحدة، يجرّ علينا الطمع في الليالي الكثيرة» . فكتبت إليه: «ليس مقامهما عندنا إلا شهرا أو نحوه» . فكتب إليّ: «إن دارك بثلاثين درهما، و أنتم ستة، لكل رأس خمسة، فإذا قد زدت رجلين، فلا بد من زيادة خمستين. فالدار عليك من يومك هذا بأربعين» . فكتبت إليه: «و ما يضرك من مقامهما، و ثقل أبدانهما على الأرض التي تحمل الجبال، و ثقل مئونتهما عليّ دونك؟فاكتب إليّ بعذرك لأعرفه» . و لم أدر أني أهجم على ما هجمت، و إني أقع منه فيما وقعت، فكتب إلي:
«الخصال [٤] التي تدعو إلى ذلك كثيرة، و هي قائمة معروفة من ذلك سرعة امتلاء البالوعة، و ما في تنقيتها من شدة المئونة، و من ذلك أن الإقدام إذا كثرت، كثر المشي على ظهور السطوح المطيّنة، و على أرض البيوت المجصّصة، و الصعود على الدرج الكثيرة. فينقشر لذلك الطين،
[١] روث الدابة: زبل الدابة، و ذات الحوافر.
[٢] نشوار: ما تبقيه الدابة من العلف.
[٣] كساحة: الكناسة.
[٤] الخصال: هنا بمعنى العوامل و الدوافع.