البخلاء - الجاحظ - الصفحة ٢٦٠ - عبد النور
جعل في الجناح خرقا بقدر عينه. فلما طالت الأيام صار ينظر من شق باب كان مسمورا. ثم ما زال يفتحه الأول فالأول، إلى أن صار يخرج رأسه، و يبدي وجهه. فلما لم ير شيئا يريبه، قعد في الدهليز، فلما ازداد في الأنس، جلس على باب الدار، ثم صلّى معهم في مصلاهم و دخل، ثم صلى بعد ذلك و جلس. و القوم عرب، فكانوا يفيضون في الحديث، و يذكرون من الشّعر الشاهد و المثل، و من الخبر الأيام و المقامات. و هو في ذلك ساكت، إذ أقبل عليه ذات يوم فتى منهم، خرج عن أدبهم، و أغفل بعض ما راضوه به من سيرتهم، فقال له: «يا شيخ إنا قوم نخوض في ضروب، فربما تكلمنا بالمثلبة، و أنشدنا الهجاء، فلو أعلمتنا ممن أنت تجنبنا كل ما يسوؤك. و لو اجتنبنا أشعار الهجاء كها، و أخبار المثالب [١]
بأسرها، لم نأمن أن يكون ثناؤنا و مديحنا لبعض العرب مما يسوؤك. فلو عرّفتنا نسبك كفيناك سماع ما يسوؤك من هجاء قومك، و من مدح عدوّك» . فلطمه شيخ منهم و قال: «لا أمّ لك!محنة كمحنة الخوارج، و تنقير كتنقير العيّابين [٢] . و لم لا تدع ما يريبك الى ما لا يريبك، فسكت إلا عما توقن بأنه يسرّه» ؟ قال: و قال عبد النور: ثم إن موضعي نبا بي لبعض الأمر، فتحولت الى شقّ بني تميم. فنزلت برجل، فأخذته بالثقة، و أكمنت نفسي إلى أن أعرف سبيل القوم. و كان للرجل كنيف إلى جانب داره، يشرع في طريق لا ينفذ، إلا من مرّ به في ذلك الشارع رأى مسقط الغائط من خلاء ذلك الجناح. و كان صاحب الدار ضيّق لعيش، فاتّسع بنزولي عليه.
فكان القوم إذا مرّوا به، ينظرون إلى موضع الزبل و الغائط، فلا يذهب قلبي إلى شيء مما كانوا يذهبون إليه. فبينا أنا جالس ذات يوم، إذ أنا
[١] المثالب: المفرد مثلبة: العيب.
[٢] اي كما اصاب الخوارج من محن. و التنقير: البحث.