البخلاء - الجاحظ - الصفحة ١٣٧ - قصة محمد بن أبي المؤمل
قبض على القفا فانتزع الجانبين جميعا. فأقبل عليّ فقال: «و السدري يعجبه الإقفاء» ، فما فرغ من كلامه إلا و السدريّ قد اجترف المتن كله، فقال: «يا أبا عثمان و السدري يعجبه المتون» ، و لم يظن أن السدري يعرف فضيلة ذنب الشّبوط [١] و عذوبة لحمه، و ظنّ أنه سيسلم له، و ظن معرفة ذلك من الغامض، فلم يدر إلا و السدري قد اكتسح ما على الوجهين جميعا. و لو لا أن السدري أبطره و أثقله و أكمده و ملأ صدره و ملأه غيظا لقد كان أدرك معه طرفا، لأنه كان من الأكلة. و لكن الغيظ كان من أعوان السدري عليه.
فلما أكل السدري جميع أطايبها. و بقي هو في النظارة، و لم يبق في يده ما كان يأمله في تلك السمكة إلا الغيظ الشديد و الغرم الثقيل، ظنّ أن في سائر السمكة ما يشبعه و يشفي من قرمه. فبذلك كان عزاؤه، و ذلك هو الذي كان يمسك بأرماقه [٢] و حشاشات نفسه. فلما رأى السدري يفري الفريّ [٣] و يلتهم التهاما قال: «يا أبا عثمان، السدري يعجبه كل شيء» . فتولّد الغيظ في جوفه، و أقلقته الرّعدة. فخبثت نفسه، فما زال يقيء و يسلح [٤] . ثم ركبته الحمّى.
و صحت توبته و تمّ عزمه، في أن لا يؤاكل رغيبا أبدا و لا زهيدا، و لا يشتري سمكة أبدا رخيصة و لا غالية، و إن أهدوها إليه أن لا يقبلها، و إن وجدها مطروحة لا يمسّها.
فهذا ما كان حضرني من حديث ابن أبي المؤمّل. و قد مات. عفا اللّه عنا و عنه.
[١] الشبوط: سمك نهري دقيق الذنب، عريض الوسط صغير الرأس. و الجمع شبابيط.
[٢] إرماقه: حياته. بقية الروح.
[٣] يفري الفري: يلتهم بسرعة، و لا يبقي شيئا.
[٤] يقيء و يسلح: بدأ يتقيأ. يسلح: يخرج الفضلات من البطن.