البخلاء - الجاحظ - الصفحة ١٤٦ - أعاجيب ابن عبد الرحمن
العصب الذي فيه الحسّ، و به قوام البدن؛ و إنما القلب باب العقل؛ كما أن النفس هي المدركة؛ و العين هي باب الألوان؛ و النفس هي السّامعة الذائقة؛ و إنما الأنف و الأذن بابان. و لو لا أن العقل في الرأس لما ذهب العقل من الضربة تصيبه، و في الرأس الحواس الخمس» . و كان ينشد.
قول الشاعر [١] :
إذا ضربوا رأسي، و في الرأس أكثري # و غودر عند الملتقى ثمّ سائري
و كان يقول: «الناس لم يقولوا: هذا رأس الأمر، و فلان رأس الكتيبة، و هو رأس القوم، و هم رءوس الناس و خراطيمهم و أنفهم، و اشتقّوا من الرأس الرئاسة و الرئيس، و قد رأس القوم فلان، إلا و الرأس هو المثل و هو المقدّم» .
و كان إذا فرغ من أكل الرأس عمد إلى القحف [٢] و إلى اللحيين فوضعه بقرب بيوت النمل و الذرّ، فإذا اجتمعن فيه أخذه فنفضه في طست فيها ماء، فلا يزال يعيد ذلك في تلك المواضع، حتى يقلع أصل النمل و الذرّ من داره؛ فإذا فرغ من ذلك ألقاه في الحطب، ليوقد به سائر الحطب.
و كان إذا كان يوم الرءوس أقعد ابنه معه على الخوان. إلا أن ذلك بعد تشرّط طويل، و بعد أن يقف له على ما يريده. و كان فيما يقول له: «إياك و نهم الصبيان، و شره الزرّاع، و أخلاق النوائح [٣] . ودع عنك خبط الملاّحين و الفعلة [٤] ، و نهش الأعراب و المهنة [٥] . و كل من بين يديك، فإنما حظّك الذي وقع و صار أقرب إليك. و اعلم أنه إذا كان في
[١] هو الشاعر الشنفري.
[٢] القحف: العظيم فوق الدماغ.
[٣] النوائح: النساء النوائح اللواتي يجتمعن للحزن.
[٤] الفعلة: العمال.
[٥] المهنة: اصحاب الحرف، العبد و الخادم.