البخلاء - الجاحظ - الصفحة ١٧٥ - حديث الأصمعي
و لا يعجبني هذا الحرف الأخير، لأن الإفراط لا غاية له. و إنما نحكي ما كان في الناس، و ما يجوز أن يكون فيهم مثله، أو حجة أو طريقة. فأما مثل هذا الحرف فليس مما نذكره. و أما سائر حديث هذا الرجل فإنه من هذه البابة.
حديث ابن جهانة
قال ابن جهانة الثقفية: عجبت ممّن يمنع النبيذ طالبه، لأن النبيذ إنما يطلب ليوم فصد. أو يوم حجامة، أو يوم زيارة زائر، أو يوم أكل سمك طريّ، أو يوم شربة دواء. و لم نر أحدا طلبه و عنده نبيذ، و لا ليدّخره و يحتكره، و لا ليبيعه و يعقد منه. و هو شيء يحسن طلبه، و تحسن هبته، و يحسن موقعه. و هو في الأصل كثير رخيص. فما وجه منعه؟ما يمنعه عندي إلا من لا حظّ له في أخلاق الكرام. و على أني لست أوجل [١] بما أهب منه على نبيذي النّقصان، لأني إذا احتجبت عن ندمائي، بقدر ما اخرجت من نبيذي، رجع إليّ نبيذي على حاله، و كنت قد تحمّدت بما لا يضرّني. فمن ترك التحمّد بما لا يضرّه كان من التحمّد بما يضرّه أبعد.
فذكر ابن جهانة ما له من الكرم بهبة نبيذه، و لم يذكر ما عليه بحجب ندمائه.
حديث الأصمعي
قال الأصمعي أو غيره: حمل بعض الناس مديني على برذون [٢] ، فأقامه على الأريّ [٣] . فانتبه من نومه فوجده يعتلف، ثم نام فانتبه فوجده
[١] أوجل: من الوجل، و هو الخوف.
[٢] برذون: دابة دون الفرس غليظة الأعضاء ضخمة تتخذ للحم خصوصا.
[٣] الأريّ: المكان الذي يوضع فيه العلف للحيوان.