البخلاء - الجاحظ - الصفحة ٢٢٢ - رد ابن التوأم على أبي العاص الثقفي
رد ابن التوأم على أبي العاص الثقفي:
فلمّا بلغت الرسالة ابن التوأم كره أن يجيب أبا العاص، لما في ذلك من المنافسة [١] و المباينة [٢] ، و خاف أن يترقى الأمر إلى أكثر من ذلك، فكتب هذه، و بعث بها الى الثقفي:
بسم اللّه الرحمن الرحيم.
أما بعد فقد بلغني ما كان من ذكر أبي العاص لنا، و تنويهه بأسمائنا، و تشنيعه علينا. و ليس يمنعنا من جوابه إلا لأنه، إن أجابنا، لم يكن جوابنا إياه على قوله الثاني، أحق بالترك من جوابنا على قوله الأول، فإن نحن جعلنا لابتدائه جوابا، و جعلنا لجوابه الثاني جوابا، خرجنا الى التهاتر، و صرنا الى التخاير [٣] . و من خرج الى ذلك، فقد رضي باللجاج [٤] حظا، و بالسخف نصيبا.
و ليس يحترس من أسباب اللجاج إلا من عرف أسباب البلوى. و من وقاه اللّه سوء التكفي و سحفه، و عصمه من سوء التصميم و نكده، فقد اعتدلت طبائعه و تساوت خواطره. و من قامت أخلاطه على الاعتدال، و تكافأت خواطره في الوزن، لم يعرف من الأعمال إلا الاقتصاد، و لم يجد أفعاله أبدا إلا بين التقصير و الإفراط، لأن الموزون لا يولد إلا موزونا، كما أن المختلف لا يولد إلا مختلفا. فالمتتابع لا يثنيه زجر، و ليست له غاية دون التلف، و المتكفّي ليس له مأتى، و لا جهة، و لا له رقية [٥] ، و لا
[١] المنافسة: وردت في نسخة ليدن. «و المناقشة» جاءت في نسخة الشنقيطي.
[٢] المباينة: اختلاف، التباعد.
[٣] التخاير: خايره في الأمر.
[٤] اللجاج: التمادي في الخصومة.
[٥] اي ان المتكفي و هو المستبد برأيه لا تنفع به الوسائل. و الرقية: كلمات مخصّصة تقرأ على المريض أو المحموم ليرتاح و يهدأ.