البخلاء - الجاحظ - الصفحة ٨٧ - قصة أبي محمد الخزامي
ممن يمازح بهذا كثيرا، و رأيناه يتظرّف [١] به، و يجعل ذلك الظرف سلّما إلى منع شينه [٢] .
قصة أبي جعفر الطرسوسي:
لم أر مثل أبي جعفر الطرسوسي:
زار قوما فأكرموه و طيّبوه، و جعلوا في شاربه و سبلته [٣] غالية [٤] ، فحكّته شفته العليا، فأدخل إصبعه فحكها من باطن الشفة، مخالفة أن تأخذ إصبعه من الغالية شيئا إذا حكتها من فوق.
و هذا و شبهه إنما يطيب جدا، إذا رأيت الحكاية بعينك، لأن الكتاب لا يصوّر لك كل شيء، و لا يأتي لك على كنهه، و على حدوده و حقائقه.
قصة أبي محمد الخزامي:
و أما أبو محمد الخزاميّ، عبد اللّه بن كاسب، كاتب مويس، و كاتب داود بن أبي داود، فإنه كان أبخل من برأ اللّه، و أطيب من برأ اللّه.
و كان له في البخل كلام، و هو أحد من ينصره و يفضله، و يحتج له، و يدعو اليه.
و أنه رآني مرة في تشرين الأول، و قد بكّر البرد شيئا، فلبست كساء لي قومسيا [٥] خفيفا، قد نيل منه. فقال لي: ما أقبح السرف بالعاقل،
[١] يتظرّف: يقوم بالظرافة و الدعابة.
[٢] شينه: عيبه.
[٣] سبلته: طرف الشارب من الشعر، او ما فوق الشفة العليا من الشعر.
[٤] غالية: اخلاط من الطيب.
[٥] قومسيا: نسبة الى قومس، و هي ناحية في جبال طبرستان.